تأملات
إذا كانت رسالة مقال الأسبوع الماضى حول عدم الكتابة عن أزمة سد النهضة قد وصلت للقارئ فلعل تطورات هذا الأسبوع تشير إلى أن هذا الاعتبار لم يعد قائما فى ظل ما يمكن وصفه بانفجار ذلك الكم من الأحداث والتطورات بالغة الأهمية التى أكسبت القضية زخما مختلفا زاد معها حجم المهتمين بها من بين قطاع كبير من المصريين، ما يعنى أنها حديث الساعة وكل ساعة!
ولعل التطور المفصلى الذى جرى هو ذلك المتعلق بملء السد، أو الملء الأول للسد بتعبير الفنيين وهو الأمر الذى يدشن لحقيقة ما ذهبت إليه رئيسة إثيوبيا بأن بلادها أصبح لديها الآن سد وواقع يصعب تغييره. على هذه الخلفية يمكن القول إن هناك عدداً من الملاحظات أو الأفكار المبعثرة التى ترد على تطورات القضية.
فمن ناحية أولى جاء الملء الأول وسط حالة من الجدل والخلاف حول ما إذا كان واقعا أم مجرد احتمالات أم مجرد هواجس تعبر عن قلق المصريين. ورغم أن صور الأقمار الصناعية كانت تشير إلى أن الأمر حقيقة قائمة ورغم أن وزير الخارجية الإثيوبى ساير تلك الحقيقة بتصريحاته إلا أنه يبدو وتحت ضغوط معينة تراجع عن تلك التصريحات نافيا ما قاله مكتفيا بأن الهدف الحقيقى وهو الملء يتم على أرض الواقع وهو ما يهم إثيوبيا.
غير أنه لم يكد يمر أسبوع إلا وأعلنت أثيوبيا رسميا أنها أتمت عملية الملء الأول للسد بنحو 5 مليارات متر مكعب من المياه. هذا السلوك لا يمكن وصفه سوى بأنه سلوك صبيانى يقوم به أطفال الشارع فضلا عن كونه يشير إلى حالة من المراوغة والخداع تعبر من ناحية عن طبيعة القائم به ومن ناحية ثانية عن طبيعة تصوره للطرف الذى يتعامل معه!
من ناحية ثانية فمن الملاحظات الشكلية ولكن ذات الدلالة أن وزارة الخارجية حين تشككت فى خطوة الملء أعلنت أنها وجهت رسالة لإثيوبيا للاستفسار عن حقيقة الموقف، غير أن الرد جاء من الخارجية الإثيوبية ولكن ليس موجها لمصر ولكن للخارجية السودانية!! حسبما ذكرت الأنباء ولم تتم الإشارة إلى أى رد على الخارجية المصرية.
من ناحية ثالثة فمن الملاحظ أن الإعلان عن الملء تم فى ذات اليوم الذى عقدت فيه القمة الإفريقية المصغرة ربما فى محاولة للإشارة إلى أن الأمر تم بالتوافق مع الدول المنخرطة فى النزاع وهو سلوك معروف فى السياسة الدولية يستهدف توجيه رسائل خاطئة تشوش على حقيقة الأمور.
وربما عزز هذا الطرح الرد المصرى الفاتر على خطوة الملء حيث أن مراجعة سريعة مثلا لتصريحات وزير الخارجية كانت تشير إلى أن خطوة الملء خط أحمر أمام إثيوبيا لا يمكن لمصر السماح بها غير أن الأمر مر مرور الكرام رغم التأثيرات النفسية السلبية لهذه الخطوة على قطاع كبير من المصريين. وإذا كان من الصحيح أن السياسة لا تحركها عواطف الجمهور وأنها لها خطها المرسوم بدقة ويعبر عما هو فى الصالح العام إلا أن الموقف ربما كان يتطلب خطابا لهذا الجمهور بعيدا طبعا عن التفاصيل يحقق فى النهاية هدف طمأنتهم. وقد أكد هذه الفكرة العديد من كبار المختصين المتابعين للمفاوضات وعلى رأسهم وزير الرى الأسبق محمد نصر علام الذى أشار إلى ضرورة توجيه بيان للمصريين حول القضية.
الملاحظة الرابعة تتعلق بما آل إليه ملف الأزمة والذى اختطفه الاتحاد الإفريقى رغم مواقفه الموالية لإثيوبيا حيث كانت التوقعات، فضلا عن التصريحات الرسمية، تشير إلى أن مجلس الأمن هو مآل الملف حال فشل مسار الاتحاد الإفريقى غير أنه رغم هذا الفشل، فإن خيار المفاوضات هو المفضل وليس نقل الملف لمجلس الأمن.
الملاحظة الخامسة تتعلق بالمفاوضات ذاتها حيث أنه فى حدود ما صدر حتى الآن لم تتم الإشارة إلى جدول أعمال جديد لهذه العملية حتى يبدو للمتابعين وكأنها توقفت مؤقتا رغم كل الشكوك فى جدواها بناء على خبرة السنوات الست الماضية. وحتى لحظة كتابة هذه السطور -صباح الأحد أمس الأول- لم يتم الكشف عن أى جانب يتعلق باستئناف المفاوضات والأسس التى ستجرى عليها فى ظل الفشل المزمن للمفاوضات السابقة.
الملاحظة السادسة تتعلق بالخطابين الرسميين الإثيوبى والمصرى بشأن الأزمة، فالخطاب الإثيوبى يتصف بالصلف والغرور وافتقاد أبسط قواعد إدارة العلاقات بين الدول ومن ذلك مثلا ما أشار إليه وزير الخارجية بشأن النهر الذى تحول إلى بحيرة، وأن نهر النيل لنا وغير ذلك، وهى تصريحات لو صدرت من أفراد عاديين فى إثيوبيا لربما تم التغاضى عنها غير أن صدورها عن الوزير المعبر عن السياسة الخارجية الأثيوبية يشير إلى أنها التوجه الرسمي، فى ذات الوقت فإن السياسة المصرية تجاه الأزمة تعبر عن أقصى درجات التسامح والمرونة بل و«النبل» إذا صح أن تكون تلك الصفة جزء من طبائع العلاقات بين الدول. والمفارقة هنا أن اختلاف الخطابين لا يعكس بأى حال من الأحوال وزن البلدين ووضعهما فى النظامين الإقليمى أو الدولي.
رغم كل ذلك فإن المؤكد أن مصر لن تفرط فى حبة مياه من حقها وأن الخلاف لو وجد بيننا يبقى حول أساليب الحفاظ على هذا الحق، وفى هذا الصدد ربما يتغلب منطق أن أهل السياسة أدرى بشعابها!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض