رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

تأملات

ليست هذه السطور دعوة الى «التسخين» أو إلى الرد بالمثل، أو حتى النزول إلى الدرك الذى وصلت إليه إثيوبيا فى التعاطى معنا، ولكنها محاولة لرصد كيف وصل الطرف الآخر فى التصعيد إلى حده الأقصى، فيما تلتزم مصر سياسة ضبط النفس إلى أقصى مداها أيضا، فى تباين شاسع بين موقفى الطرفين.. ضجيج وصخب عال فى جانب - الإثيوبى، وهدوء ربما يبدو للبعض قاتلا على الجانب الآخر - المصري. فالمتابع لمشهد تطورات الموقف بعد فشل مفاوضات سد النهضة لا بد أن يلفت انتباهه ما يمكن اعتباره انفلاتا فى موقف إثيوبيا متمثلا فى خطوات استباقية تستهدف بالأساس تطويق مصر ولجمها عن التحرك سواء دبلوماسيا أو عسكريا.

مظاهر النهج التصعيدى الإثيوبى واضحة وعديدة وإن كان يأتى على رأسها وأكثرها غرابة ودهشة التلويح بعمل عسكرى ضد مصر رغم أن الأخيرة لم تشر بأى شكل من الأشكال إلى هذا الخيار. وكان من بين ما تفتق عنه الذهن الإثيوبى فى هذا الصدد ضرب السد العالى من خلال مقال لكاتبة أو كاتب أطلقت أو أطلق على نفسه مسمى وهمى «ملكة سبأ» فيما قد يكون مضمون رسالته من القيادة الإثيوبية مباشرة. فى المقال الذى نشر فى صحيفة كابيتال الإثيوبية تقول ملكة سبأ لا فض فوها «إثيوبيا قد تبدو دولة من الوزن الخفيف إذا ما قورنت بتفوق القاهرة العسكرى الظاهر بفضل ما تتلقاه من دعم خارجي، إلا أن مصر تملك أيضا سد أسوان العملاق، السد العالي،  وتعيش فى بيت من زجاج» فى إشارة إلى السد العالي. فى ذات الوقت الذى نشرت فيه الصحيفة رسما كاريكاتيريا يسىء لنا يتجاوز كافة مبادئ حسن النية فى التعامل مع القادة والمسئولين. يضاف إلى ذلك ما تم بثه من صور متنوعة حديثة لعمليات بناء السد مع قيام بعض قادة الجيش بزيارة موقع البناء وتأكيدهم استعدادهم لحماية السد.

على الصعيد السياسى لم يكتف وزير الخارجية الإثيوبى بتصريحاته الصادمة التى راح يؤكد من خلالها مقولته التى أصبحت شهيرة «السد سدنا والمياه مياهنا...» وإنما مد جهوده لتسويق موقف بلاده من خلال حوار مع قناة الجزيرة تضمن العديد من المغالطات بالزعم أن مصر تحاول منع استفادة بلاده من النيل وأن المصريين لا يريدون لشعب إثيوبيا أن يعيش ويسعون لأن يستمر على وضعه المأساوى مدعيا أن مصر هى التى سعت لإجهاض نتائج المفاوضات وأنها يجب أن تتخلى عن سعيها فى هذا الخصوص.

على الخط ذاته وبالتوازى معه بدأت أديس أبابا تدشين حملة دبلوماسية لإجهاض الحملة المصرية زارت خلالها رئيسة إثيوبيا كينيا وأوغندا لحشد التأييد لموقف بلادها فضلا عن الإعداد للقاءات موسعة مع قادة ومسئولى الإتحاد الأوروبي، بل وصل الأمر للسعى لاستقطاب الكونجرس الأمريكى للضغط على ادارة ترامب للتخلى عن ترتيبات الاتفاقات الأخيرة.

ربما ظن البعض أن هذه خطوات عنترية وأنه قد يكون لها ما يبررها كرد فعل مباشر يستهدف التغطية على الانكشاف الاثيوبى على خلفية الإنسحاب من مفاوضات واشنطن، غير أن توالى ردود الأفعال على ذات الشاكلة يتطلب سياسة مصرية ربما تتجاوز تلك التى تنتهجها حاليا لتعويض سنوات التفاوض الضائعة التى ربما ضيقت الخيارات أمام الجانب المصري.

تبدو لك الصورة مختلفة تماما إذا تأملت فيما يجرى بشأنها على الجانب المصرى، فقد كان وزير الخارجية سامح شكرى فى حواره مع وائل الإبراشى بالغ التهذب والدبلوماسية. من ناحية ثانية قد يبدو من اللافت للنظر أن أى متابع للإعلام المصرى الذى لا يقصر فى النيل من أى خصم سيلمس إلى أى حد يتناول هذا الإعلام القضية بشكل هادئ. وتزداد حالة الدهشة إذا علمنا أن إعلامنا ليس قليل الحيلة وأنه نادرا ما دخل فى خصومة مع الخارج وخسرها! غير أنه فى هذه الأزمة يلتزم أقصى حدود ضبط النفس، رغم ادعاءات وزير الخارجية الإثيوبى فى الحوار المشار إليه أن المصريين بدأوا حملات إعلامية ضد بلده.

على خلفية هذا الطرح، فإن لسان حال الكثيرين، التساؤل حول سر تصعيد أديس أبابا للهجتها، فى ذات الوقت الذى تسعى فيه القاهرة فى المقابل لخفض تلك اللهجة بشأن الأزمة؟ هناك تفسيرات عديدة لهذا السلوك السياسى من الطرفين ربما نتناولها فى مقالات مقبلة. غير أن ما نود التأكيد عليه هنا هو أنه رغم أن كل المؤشرات تنذر بالخطر وتوحى بأن لإثيوبيا اليد الطولي، فإن المرء لا يملك سوى أن يعرب عن تقديره لصبر القيادة المصرية على هذه المضايقات والاستفزازات وسط «آمال» بأن تعكس تلك السياسة حالة من الثقة بالقدرة على الحسم وفق الوجهة التى تريدها فى الوقت المناسب.

أعرف أن هذا الأسلوب ربما لم يرق ولا يروق لكثيرين، وأنا من بينهم، باعتبار أن هذا التعامل نادر فى السياسات بين الدول، وأن العالم لا يعرف سوى لغة القوة غير أنه أما وقد وصلت الأزمة إلى هذا المستوى وفى ظل القراءة الدقيقة لمواقف مصر والتى تؤكد عدم التفريط فى قطرة ماء واحدة.. فربما ليس أمامنا سوى أن نصمت لإتاحة الفرصة لذلك النوع من السياسة -  اتفقنا أو اختلفنا معها -  لتحقيق هدفنا .. فذلك هو الأهم وذلك هو المطلوب!

[email protected]