تأملات
تأكيدا للتوجه الذي أشرنا إليه الأسبوع الماضي بشأن حيوية وأهمية تنمية وتعمير سيناء كان إعلان الرئيس السيسي هذا الأسبوع عن خطة لهذا الأمر تتكلف نحو 275 مليار جنيه وهو رقم بالغ الضخامة، أشار الرئيس إلى أنه تم تدبير 175 مليارا منه من خلال قروض واتفاقات مع دول عربية شقيقة، خليجية بالأساس، وأن توفير الجزء الباقي يعتمد على المصريين حكومة وجيشا وشعبا.
ورغم ان المهمة تبدو صعبة إلا أنها ممكنة وإن كان يجب البحث عن سبل وآليات لتوفير التمويل بعيدا عن نهج التبرعات والذي قد لا يبدو النهج الأمثل في ضوء العديد من الحقائق. يأتي على رأسها أن الدافعية للتبرعات خاصة إذا كانت على خلفية سياسية غالبا ما تخبو خاصة إذا اتسع مجالها بما يجعل الكثيرين يتساءلون عن حكمة صب المزيد من الأموال على نحو يبدو معه وكأن الأمر لا ينتهي. ثم أن حجم التبرعات مهما زاد قد لا يصل في أفضل التقديرات إلى خمسة مليارات جنيه، وهو ما يمثل نسبة بالغة الضآلة قياسا على حجم المبلغ المستهدف.
من ناحية ثالثة، فإن هناك العديد من التصورات التي يمكن العمل بها بما يوفر دوافع وتحفيزات أكثر للتسريع بعملية توفير التمويل لمثل هذا المشروع القومي، منها مثلا فرض دمغة على بعض المعاملات يخصص عائدها لهذا المشروع، وهى آلية أكثر وضوحا من التبرعات.
من بين الآليات الأخرى آلية الاكتتاب، وأمامنا هنا تجربة قناة السويس الجديدة، فرغم التحفظات التي تحيط بجدواها الاقتصادية وتأكيد الكثير من أصحاب القرار على أنها كانت ذات بعد سياسي بالأساس، فإن الأمر يمكن تطبيقه وتطويره في تعمير سيناء. وإذا كان قد تم جمع 64 مليارا في أسبوع للقناة الجديدة، فقد لا يكون صعبا توفير مبلغ مماثل أو أكثر لسيناء خاصة أن العائد في الحالة الثانية سيكون ملموسا أكثر سواء على الصعيد السياسي والمتمثل في تعمير إقليم بشكل يحمي أراضي مصر من أطماع قائمة، أو على صعيد العائد من عمليات التنمية وهي كبيرة. ونعيد التأكيد على ما ذكرناه من مثال العاصمة الإدارية حيث قامت على أسس اقتصادية بحتة ليس التبرع من بينها وإنما على أساس استثمار رؤوس أموال في إنشائها، وهي تزدهر يوما بعد يوم بفعل المتابعة الحثيثة من القيادة السياسية التي تعتبره مشروعا أساسيا في تصورها لمستقبل التنمية في مصر، فلو تم التعامل مع تنمية سيناء بنفس الروح لتغير الحال بين يوم وليلة.
من ناحية رابعة فإن جزءا من السيولة المالية لتنمية سيناء يمكن توفيره بإعطائها الأولوية في التعمير، بمعنى تخصيص جزء ولو يسيرا من عائدات التعمير في باقي أنحاء مصر على سيناء، بمعنى تقليص بعض المشروعات في المحافظات لصالح سيناء، فبدلا من المنصورة الجديدة ودمياط الجديدة وأسوان الجديدة .. يمكن توجيه الجزء الأكبر من موارد هذه المدن الجديدة لسيناء وتقليص هذه المشروعات. بمعنى أكثر دقة إذا كانت ميزانية هيئة مثل المجتمعات العمرانية الجديدة مثلا 85 مليار جنيه لمصر كلها فإن الجزء الأكبر من هذا المبلغ يمكن توجيهه لسيناء.
من ناحية خامسة، فإن دافع الربح والمكسب هو الذي يحرك رأس المال، وهو الذي يدفع بالأمم إلى التقدم، وهو الأمر الذي يقدم نموذج نشأة الولايات المتحدة أفضل مثال له، وعلى ذلك يمكن جذب أموال رجال الأعمال لسيناء ليس بالتبرع وإنما من خلال توفير خريطة استثمارية وتسهيلات كبرى مغرية تدفعهم دفعا لتوجيه معظم إن لم يكن كل أموالهم لسيناء. وهناك في هذا الصدد نموذج لرجل أعمال بارز يمكن تطوير تجربته بتعزيز مميزاتها والقضاء على سلبياتها.
بهذا الفهم وبهذه الروح يمكن لنا أن نطمح في تعمير سيناء، ذلك أن تجارب الإنسانية على مدى التاريخ تؤكد أنه ليس بالتبرعات وحدها يحيا الإنسان!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض