تأملات
ليس كل ما قدمه الفكر الإنسانى خيرا محضا أو شرا محضا، وإنما هو على كل الأشكال.. من هذا وذاك، وتاريخ الأفكار يؤكد لنا ذلك، فمكيافيللى قدم أسوأ مبدأ فى تاريخ العلاقات الدولية يتمثل فى تأكيده أن «الغاية تبرر الوسيلة».. ونيتشه قدم مبدأ قد يكون اكثر سوءا يقوم على الإنسان السوبرمان والذى يرى البعض أنه كان نواة نشأة النازية بما استتبعته من حرب قضت على ملايين البشر. أما الفيلسوف ليبنتز فلعل فى أفكاره كل الخير للإنسانية حيث كان – كما ذكر البعض - من أوائل من دعوا لحفر قناة السويس التى ينعم الإنسان بخيرها حتى اللحظة. أما الفيلسوف كانط فربما يعود له الفضل فى نشأة الأمم المتحدة والتى قدم نواة فكرتها من خلال كتابه «مشروع للسلام الدائم».
وبين هذه الأفكار من الخير والشر لزملائه فى تاريخ الفكر الإنسانى يأتى الفيلسوف الإنجليزى توماس هوبز الذى من الصعب ان تحدد طبيعة تأثيره على مسيرة الحياة الإنسانية وما إذا كان تأثيرا خيرا أم غير ذلك. فظاهر أفكاره خير رغم أنها فى التحليل النهائى قد تشير إلى غير ذلك. فإلى هوبز يعود الفضل فى وضع أصول نظرية «العقد الاجتماعي» التى تفسر نشأة الدولة وتحليل مقومات المجتمع السياسى. غير أنه يمكن القول من وجه آخر إن هوبز يأتى على رأس المؤسسين للحكم المطلق، فقد رأى أنه لا بد للحاكم من أن يتمتع بسلطة مطلقة لا يحدها حد ما دام الحاكم - فى رؤيته - هو الدولة نفسها أو هو «الإله الأرضي»، ولعله من هنا أطلق عليه اسم «التنين» فى الكتاب الذى حمل هذا العنوان.
ورغم ما يذهب إليه مفكر مثل جوزايا رويس فى كتابه «روح الفلسفة الحديثة» من أن هوبز كان من أكثر المفكرين الإنجليز دقة وتنظيما فى كل تاريخ الفلسفة الإنجليزية، ما يشير إلى باعه فى الفلسفة الغربية بشكل عام والإنجليزية بشكل خاص، إلا أن هوبز لم يكن يرى معنى لتوزيع السلطات بين الملك والبرلمان، بل راح يؤكد أن السيادة المنقسمة هى مجرد تناقص فى الحدود. ونادى بضرورة تركيز السلطات فى يد واحدة فعارض مبدأ الملكية المختلطة ورفض فكرة توزيع السلطة بين الملك والبرلمان ونادى بملكية استبدادية.
الخلاصة، إن كل اهتمامه كان ضرورة تمتع الحاكم بسلطة مطلقة، وكان باعثه فى ذلك أن يتحقق للدولة ما رآه أسباب الاستقرار السياسى، الذى نصب نفسه باعتباره محاميا للدفاع عنه، حتى أنه يمكن اعتباره رائد الدفاع عن الاستقرار السياسى. وقد وصلت نزعة هوبز فى ذلك المجال إلى حد القول إنه قد يكون من الأفضل للفرد أن يدين بالطاعة والولاء للقوة الحاكمة حتى يضمن لنفسه الاستمتاع بشتى لذات الحياة الاجتماعية الآمنة بدلا من أن ينعم بحرية رخيصة يشتريها بأفدح الأثمان، إذ يدفع ثمنا لها حياة الفوضى والاضطراب والصراع.
وحينما تتمعن فى أفكار هوبز قد تنتابك حالة من الدهشة حين تجده يقول فى تعبير عن رؤيته فى وجوب الخضوع لسلطة الدولة إنه مهما كان رأى الإنسان فإن من واجبه أن يذعن فى كل المسائل الدينية لحكم الدولة ويقول بحماس فى احد كتبه: «أنتمى للكنيسة الإنجليزية لأنها الكنيسة التى أمرنى ملك انجلترا بإطاعتها».
فى تفسير فكر هوبز هناك الكثير من العوامل، يأتى على رأسها الخوف، حتى أنه يقول فى عبارة بليغة إن والدته حين وضعته وضعت توأما: أنا والخوف! فالخوف هو الذى يؤدى إلى الحرص المبالغ فيه على الاستقرار، والخوف والحرص الزائد على الاستقرار هو الذى يفرز السلطة المطلقة.
ورغم أن أفكار هوبز مر عليها نحو خمسة قرون، ورغم كل التطور الذى لحق ببلده وبغيرها من البلدان، فإن هذه الأفكار ربما تكون ما زالت حية فى بعض المجتمعات التى يحركها الخوف وتعيش حالة من السلطة المطلقة فى دولة يمكن وصفها بأنها دولة «هوبزية» بامتياز.. وإن كان يبقى لهوبز فضل تشخيص حالة ربما تستمر وتبقى ما بقى الإنسان!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض