علي الهوا
من المبادئ المستقرة في كل دول العالم أن بعض «القرارات» الحكومية تبقي في إطار السرية الكاملة، بل وتتحاشي الجهات الرسمية التصريح أو التلميح بأية كلمة يمكن أن تكشف عن وجود نية لاصدار هذه القرارات وبالتحديد الأدق يحظر تماماً التصريح أو التلميح «بتاريخ» اصدار هذه القرارات حتي لا يتم استغلال البعض لهذه المعلومات فيتصرفوا بالطريقة التي تمكنهم من استغلال نتائج هذه القرارات لتحقيق أرباح باهظة.
من هذه القرارات، كل قرار يتعلق بتخفيض أو زيادة أو إلغاء الرسوم الجمركية علي أية سلعة من السلع، ويتم تنفيذ هذه القرارات من تاريخ صدورها.
والسبب في فرض هذه «السرية» الصارمة، خاصة علي تاريخ صدور القرار ووضعه موضع التنفيذ حرمان المستغلين من تحقيق أرباح خيالية إذا علموا بأمر هذه القرارات قبل اصدارها، أو إذا حصلوا علي فرصة لتطبيق هذه القرارات علي سلع لم يتم التعامل معها «جمركياً» لوجودها في الموانئ.
فلو أن أحد المستوردين علم مسبقاً، ولو قبل ساعات من صدور قرار بتخفيض أو اعفاء سلعة من الجمارك فإنه يبادر بتأخير عمليات التخليص الجمركي لساعات أو أيام حتي تطبق قرارات التخفيض أو الالغاء علي السلعة التي تم استيرادها.
وبعد هذه الساعات أو الأيام يقوم المستورد بعملية التخليص الجمركي علي أساس تفعيل القرارات الجديدة بتخفيض الجمارك أو إلغائها، والنتيجة في هذه الحالة حرمان خزينة الدولة من ملايين الجنيهات المستحقة لخزينة الدولة لتذهب هذه الملايين إلي خزائن المستورد، وفي هذه الحالة لا يمكن لعاقل أن يتصور ان من رتب هذا الأمر من المسئولين فعل ذلك عن غفلة والمؤكد ان من سرب تاريخ اصدار القرار للمستورد الذي حصل علي هذه الملايين التي كان من المفترض أن تدخل خزينة الدولة، لا يمكن لعاقل أن ينفي شبهة قوية وقرينة تقترب من الدليل المادي القاطع. هذه الشبهة القوية تلاحق المسئول الكبير الذي هيأ الظروف لهذا المستورد للحصول علي الملايين ربحاً سريعاً دون جهد. المسئول الكبير تطارده الشبهات القوية والمنطقية كشريك أساسي في عملية نهب الملايين من المال العام.
وتصل المأساة إلي ذروتها إذا بلغ الفجور إلي حد اصدار قرار إعفاء سلعة من الجمارك «بأثر رجعي» وهو أمر بالغ الشذوذ لا يمكن لأي انسان أي يبرره.
لو طبقنا هذا المنطق علي ما حدث في قرار إلغاء الجمارك علي الدواجن المستوردة فإننا نصبح أمام حالة من الفساد الفاجر الذي يجب أن تتم محاسبة كل من شارك فيه.
هذه هي القضية الأساسية في موضوع إلغاء الجمارك علي الدواجن المستوردة، وهذا الجانب من القضية يجب أن يحظي بالاهتمام الأكبر رغم وجود جوانب أخري كثيرة تستحق أن نقف أمامها، وكلها تؤكد علي «فساد هذا القرار» علي السيد رئيس الوزراء أن يقدم تبريراً مقنعاً إذا استطاع لصدور هذا القرار وتطبيقه بأثر رجعي؟!
وأتحدي سيادته أو أي مسئول له صلة بهذا القرار أن يجد أي تبرير يقنع أكثر الناس غباء باصدار هذا القرار وتطبيقه بأثر رجعي أي علي ما تم استيراده قبل صدور القرار بعدة أيام؟!، خاصة والمعلومات المؤكدة تكشف عن وجود كمية هائلة من الدواجن المستوردة بمخازن ميناء الإسكندرية تم تركها في المخازن بالميناء ولا تفسير لمثل هذا التصرف إلا أن المستورد لهذه الكميات كان علي علم مسبق بصدور هذه القرارات.
بل يبلغ الأمر درجة أعلي من الفساد عندما نعلم أن كميات هائلة من الدواجن المستوردة في طريقها إلي الموانئ المصرية وسوف تصل خلال أيام... ويعلم الجميع ان عمليات التعاقد والشحن من بلد المنشأ تستغرق أكثر من شهر فهل كان مستوردو هذه الكميات علي علم مسبق بالقرارات، فسارعوا باستيراد هذه الكميات مستفيدين من الحصول علي الدولار- منذ أكثر من شهر- من البنوك بالسعر الرسمي الذي كان البنك المركزي يحدده والذي يقل عن تسعة جنيهات؟! والأمر المؤكد ان هذا حدث فعلاً لأن البنوك كانت تفتح الاعتمادات للمستوردين في تلك الفترة بهذا السعر باعتبار الدواجن من المواد التي لها أولوية في تدبير الدولار بالسعر المعلن من البنك المركزي.
ومعني هذا ببساطة ان هذه الكميات الموجودة فعلاً بمخازن ميناء الإسكندرية وتلك التي لم تزل في الطريق للموانئ المصرية حرمت خزينة الدولة من مئات الملايين من الجنيهات لتذهب إلي خزائن بعض المستوردين «المحظوظين» في عملية فساد مركبة شاركت فيها الجهات الحكومية التي أصدرت هذه القرارات سواء بالتواطؤ مع مافيا الفساد أو بالغفلة أو الجهل ببديهيات إدارة شئون الدولة. وفي الحالتين كيف يطمئن المواطنون إلي أن مثل هؤلاء المسئولين لن يهدروا المزيد من الملايين من أموال هذا الشعب؟!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض