رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

بدون رتوش

فى منعطفٍ دبلوماسى نادر من عمر الصراع الإيرانى-الأمريكى الممتد لعقود، أعلن المجلس الأعلى للأمن القومى الإيرانى فى الخامس عشر من يونيو 2026 عن انتهاء صياغة مذكرة تفاهم بين طهران وواشنطن، مؤكدًا أن الحرب والعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فى ذلك لبنان، قد توقفت بشكل فورى ودائم. وباتت المنطقة أمام معطيات جديدة تستدعى قراءةً هادئة وعميقة بعيدًا عن الانفعال والمزايدة.

كشفت الولايات المتحدة وإيران عن تفاصيل مذكرة تفاهم تمهّد لإنهاء المواجهة العسكرية وفتح مسار تفاوضى جديد بشأن البرنامج النووى الإيرانى، وسط ترتيبات اقتصادية وأمنية واسعة تشمل إعادة فتح مضيق هرمز وخطة تنموية لإيران بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار. وتشمل المذكرة المؤلفة من أربعة عشر بندًا جوانب متعددة؛ إذ تلتزم الولايات المتحدة ببدء رفع الحصار البحرى فور التوقيع واستكمال إنهائه خلال ثلاثين يومًا، فيما تتعهد بسحب قواتها من محيط إيران خلال ثلاثين يومًا من إبرام الاتفاق النهائى. أما فى الملف النووى، فتجدد إيران التأكيد أنها لن تنتج أسلحة نووية أبدًا، فيما تتعهد الولايات المتحدة بإنهاء جميع العقوبات المفروضة، بما فى ذلك قرارات مجلس الأمن والعقوبات الأحادية الأمريكية، وفقًا لجدول زمنى يُتفق عليه ضمن الاتفاق النهائى.

لقد أثار الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» موجة واسعة من التساؤلات حين أدلى مؤخرًا بتصريحات لافتة خلال قمة مجموعة السبع، معتبرًا أنه يجب أن تمتلك إيران صواريخ باليستية طالما أن دول أخرى تمتلكها، ومتسائلًا: «هل سيكون لدى السعودية صواريخ ولا يكون لدى إيران؟» غير أنه فى السياق ذاته لوّح باستئناف الضربات قائلًا: «إذا لم تلتزم إيران بالسلوك القويم، ستستأنف الولايات المتحدة ضرباتها». ولا شك بأن هذا التناقض الظاهرى يكشف عن براغماتية حسابية، إذ يُقدّم «ترامب» نفسه بوصفه صانعًا للسلام أمام الداخل الأمريكى، فى الوقت الذى يبقى فيه على ورقة الضغط العسكرى. وقد أكد أن المذكرة ليست نهائية، وأنها تفتح نافذة مدتها ستون يومًا للتفاوض على البنود النهائية.

لقد أبدى الجانب الإيرانى حرصًا واضحًا على تقديم المذكرة باعتبارها إنجازًا سياديًا لا تنازلًا. وأكد وزير الخارجية «عباس عراقجي» أن الاتفاق يتضمن مرحلتين: مذكرة تفاهم لإنهاء النزاع، واتفاق نهائى لحل الملف النووى ورفع العقوبات. وأشارت وكالات الأنباء الإيرانية إلى أن إيران لا تقدّم أى التزام جديد بشأن الملف النووى فى مذكرة التفاهم، وأن إطار برنامجها النووى سيبقى كما هو بعد التوقيع. بيد أن المشهد الداخلى الإيرانى لم يخلُ من توتر؛ إذ تصاعدت الاعتراضات داخل أوساط مؤيدى النظام، وشهدت طهران تجمعات تردِّدت فيها شعارات تطالب باستقالة «عراقجي».

تبدو المعادلة معقدة لكليهما؛ فواشنطن تؤمّن مضيق هرمز وتُغلق مسار التسلح النووى الإيرانى رسميًا، لكنها تقبل ضمنيًا ببقاء القدرة الصاروخية الإيرانية. وطهران ترفع العقوبات وتستعيد مليارات الأصول المجمدة، لكنها تتدرج فى إعلان قبولها الرسمى بهدف ضبط ردود الفعل الداخلية وتهيئة الرأى العام.

ولهذا فإن الستين يومًا القادمة ستكون الاختبار الحقيقى لهذه المذكرة؛ حيث إن الاتفاقيات لا تُقاس بنصوصها بل بمدى تطبيقها على أرض الواقع.