تحتاج مصر في هذه المرحلة الدقيقة من مراحل تطورها السياسي إلى المشاركة وتضافر القوي بين الجميع والبعد عن التعصب والأنانية، أو تغليب المصلحة الخاصة، أو الفئوية، أو الضيقة أو افتعال أزمات ومشاكل تزيد من الأعباء التي يواجهها الوطن، فالعمل التطوعي ومشاركة جميع الهيئات والمؤسسات والأفراد من الشروط والمتطلبات الأساسية لإنجاح عملية التغلب على المشاكل والعقبات التي يواجهها المجتمع، فالمطلوب لتحقيق هذا الهدف تكتل جهود مؤسسات المجتمع المدني والهيئات الرسمية وجهود المواطنين، وانفتاح مختلف الهيئات والمؤسسات على المجتمع بهدف حل مشاكله وتطويره.
وقد أسعدني خلال الأيام القليلة الماضية حضور الاحتفالية التي نظمها متحف رشيد الوطني بمشاركة إدارة أوقاف رشيد وكنيسة مارمرقص الأثرية، وبرعاية محافظ البحيرة وبحضور القيادات التنفيذية والشعبية برشيد، وجمهور من أهالي مدينة ومركز رشيد ويمكن في هذا الإطار الإشارة إلى الملاحظات التالية:
أولاً: إنّ هذه الاحتفالية عبرت وبحق عن روح التسامح والود التي تسود القيادات الدينية في رشيد سواء من المسلمين أو المسيحيين، حيث تجاور أئمة وشيوخ أفاضل مع كبار رجال الدين المسيحي في هذه الاحتفالية وتمت الإشارة إلى وجود علاقات ودية وتبادل للزيارات بينهم مما يجعل الأمر لا يقتصر على اللقاء الشكلي فقط، بل إن ذلك اللقاء يأتي تتويجاً للتعاون المتبادل، ويعكس إلى حد كبير روح الود والتسامح والسلام التي تدعو إليها كافة الأديان السماوية وكم كان رائعا أن يتجاور رجال الدين الإسلامي مع قيادات الكنيسة وهم يسيرون في طريقهم إلى مكان الاحتفالية وهو الحديقة المتحفية برشيد وسط ترحيب و تأييد من أهالي المدينة.
ثانياً: إن روح التسامح والبعد عن التعصب التي أوضحتها هذه الاحتفالية تعكس إلى حد كبير إعلاء قيمة المواطنة، وبحيث تتجه مشاعر الولاء والانتماء لدى الجميع إلى كل واحد وهو الوطن، الذي يفوق الانتماء له أي انتماءات أخرى ضيقة ويعبر ذلك الانتماء للوطن عن أن ما يجمع بين الأفراد أكبر مما يفرق بينهم وأن عوامل التوحد والتجانس تفوق ما قد يتواجد من عوامل فرقة واختلاف، وهذا هو النموذج الذي نحتاج إلى تكريسه في جميع أنحاء الوطن من خلال أدوات التنشئة المختلفة التي تغرس قيم التسامح والمشاركة والبعد عن التعصب والولاء والانتماء للوطن لدى الجميع، ويمكن الإشارة في هذا المجال إلى أدوار مهمة ومتوقعة من الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد والكنيسة ووسائل الإعلام والأحزاب السياسية في غرس هذه القيم الإيجابية وتدعيم الانتماء والولاء للوطن والارتباط به والتضحية من أجله.
ثالثاً: إن هذه الاحتفالية تعكس إلى حد كبير قيمة المشاركة وتضافر الجهود بين متحف رشيد الوطني وإدارة أوقاف رشيد وكنيسة مارمرقص الأثرية وكذلك جميع القائمين على الإعداد والتنظيم والإخراج لهذه الاحتفالية مما جعلها تعكس درجة كبيرة من النجاح، وللمشاركة أهمية كبرى في هذا الإطار، حيث إن الثروة الحقيقية التي تمتلكها مصر هي العنصر البشري والذي إذا أحسن تأهيله وتدريبه وتوجيهه يمكن أن يحقق الكثير ويمكن أن يتغلب على الصعوبات والتحديات سواء على المستوى المحلي أو المستوى الوطني من خلال المشاركة،فلن يستطيع أي شخص أن ينجح بمفرده في مواجهة هذه التحديات ولكن بمشاركة الجميع (أفراد وهيئات ومؤسسات وأحزاب وقيادات) يمكن أن يتحقق الكثير من الإنجازات.
رابعاً: الاهتمام بالسياحة والتنمية في رشيد، حيث إن نجاح هذه الفعالية سيعقبه العديد من الفاعليات القادمة التي تحمل عنوان «اعرف بلدك رشيد عن قرب» ويمكن في هذه الفاعليات دعوة العديد من المتخصصين في المجالات المختلفة كالموارد البشرية والاقتصاد والتنمية والسياحة والإدارة والصناعة والتجارة وغيرها، بحيث يتم من خلال هذه الفاعليات تسليط الأضواء على مشاكل رشيد وكيفية علاجها وتحقيق التنمية، ولعل من المحاور المهمة في هذا الإطار قطاع السياحة وخصوصاً الآثار الإسلامية، حيث تعتبر رشيد بمثابة متحف مفتوح يحتاج إلى الاهتمام به وترويجه سياحيا والدعاية اللازمة للترويج السياحي لرشيد سواء من خلال المكاتب السياحية المصرية في الخارج أو من خلال البعثات التمثيلية المصرية أو من خلال وسائل الإعلام بهدف اجتذاب السياحة الكثيفة إلى رشيد ، كذلك من المطلوب في هذا الإطار توجيه الاهتمام الكافي إلى آثار رشيد وترميمها وخصوصا المسجد المحلي والذي يعتبر من أهم المساجد الأثرية في رشيد والذي يعاني من درجة كبيرة من الإهمال وتضاربت الروايات حول تفسير هذا الإهمال الذي جعل المسجد يعاني من المياه الجوفية، ووصل الأمر إلى درجة التهديد بانهيار المسجد الأثري الكبير ويحتاج الأمر إلى إجراء سريع من وزارتي السياحة والآثار لإنقاذ مسجد المحلي وخصوصاً إن أهالي رشيد أعلنوا أكثر من مرة عن استعدادهم للتبرع لإنقاذ المسجد.
كذلك ربما يكون من الموضوعات التي يمكن التركيز عليها في فعاليات قادمة بحث عملية التنمية في رشيد، ويمكن في هذا الإطار التركيز على المشروعات المتناهية الصغر التي تعتمد على البيئة المحلية ومنتجاتها، والصناعات اليدوية، وصناعة الأثاث اعتماداً على منتجات النخيل الذي تشتهر به رشيد، وصناعة السجاد اليدوي وغيرها من المشروعات التي يمكن أن تسهم في مكافحة البطالة خصوصاً لدى الشباب، بالإضافة إلى العمل على إيجاد حلول للمشاكل المختلفة مثل مشاكل المياه والبوغاز وصادرات الموالح ومشاكل الصيادين والفلاحين ومشاكل الصرف وغيرها ، ويمكن أن يكون نجاح رشيد في تحقيق هذه الأهداف نموذجاً يحتذى به في مختلف أنحاء مصر وبما يحقق مصلحة الوطن والمواطن.
أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض