يثار بين الآونة والأخرى موضوع الحصانة البرلمانية، وهل من الأفضل الإبقاء عليها أو إلغاؤها، وتتعدد وتتقاطع وجهات النظر في هذا الشأن ولذلك يكون من المرغوب فيه التعريف بفكرة الحصانة وما تطرحه من آثار إيجابية أو سلبية وجدواها ومبرراتها، والأشكال المختلفة للحصانات مثل الحصانة البرلمانية، والحصانة الدبلوماسية، والحصانة القضائية، ويمكن توضيح ذلك من خلال الملاحظات التالية:
أولا: الحصانة القضائية: توجد عدة أشكال للحصانة مثل، الحصانة القضائية، والحصانة الدبلوماسية والحصانة البرلمانية، ولذلك فالسؤال المهم في هذا الإطار هو هل المقصود بالحصانة أن يكون للشخص المتمتع بها الحق في الحصول على مزايا استثنائية أو مخالفة القانون لتحقيق ميزة شخصية؟ أم أن الهدف من الحصانة ضمان حسن سير وانتظام العمل دون شبهة تدخل أي جهة أخرى في مجريات العمل بما يضمن الاستقلالية وحسن الأداء، فالهدف من الحصانة القضائية على سبيل المثال ألا يكون القاضي خاضعا في أحكامه وفي تحقيقاته لأي مؤثرات أو ضغوط غير القانون، ولذلك فإن معظم الدساتير والقوانين تعطي للقضاة هذه الحصانة، كما تضع القواعد والشروط الخاصة بما يتم اتباعه في حالة مخالفتهم للقانون، أو في حالة التلبس حيث يرفع الأمر إلى المجلس الأعلى للقضاء ووفقا لآلية معينة لاتخاذ ما يلزم من إجراءات، ولذلك فإن الحصانة في هذا الإطار ربما تكون أقرب إلى كونها حصانة للعمل القضائي ومن يقوم به لضمان استقلالية القضاء عن السلطات الأخرى تحقيقا لمبدأ نزاهة القضاء دون أن يعني ذلك عدم تطبيق النظام تجاه من يتمتع بالحصانة، فالنظام يطبق في جميع الأحوال ولكن وفقا لضوابط وإجراءات معينة.
ثانيا: الحصانة الدبلوماسية: تلعب الدبلوماسية دورا مهما في تنمية وتطوير وتوثيق الروابط بين الدول وفي المساعدة على الوصول إلى حلول لما قد يحدث من مشاكل وصراعات بين الدول ونظرا للدور المهم الذي يقوم به الدبلوماسيون فقد منحهم القانون الدولي بعض الامتيازات التي تمكنهم من أداء أعمالهم على الوجه الأكمل وذلك وفقا لاتفاقية ڤيينا 1961 حيث تشمل هذه الامتيازات أو الحصانة الدبلوماسية مقار البعثات الدبلوماسية وأشخاص الدبلوماسيين وأسرهم، والهدف من ذلك توفير المناخ الملائم للقيام بالعمل الدبلوماسي على أكمل وجه، وفي حالة مخالفة قانون الدولة المضيفة مخالفة جسيمة أو قيام الدبلوماسي بأعمال تمثل إضرارا بدولة المقر أو تهديدا لأمنها يتم اتخاذ إجراء ضده وهو اعتباره شخصا غير مرغوب فيه ويتم استبعاده من دولة المقر ويعود لدولته على وجه السرعة مما يعني إمكانية اتخاذ إجراءات ضد الدبلوماسي ووفقا لقواعد وضوابط تحددها الاتفاقات الدولية، ونخلص من ذلك أن الأصل في الحصانة الدبلوماسية أنها لضمان انتظام وحسن سير العمل وليست ميزة شخصية تمنح للدبلوماسي، كما يستدل من ذلك أيضا أن الحصانة الدبلوماسية غير مطلقة.
ثالثا: الحصانة البرلمانية تعتبر الحصانة البرلمانية بمثابة حماية قانونية وسياسية للنائب تهدف إلى قيامه وظيفته التشريعية على الوجه الأكمل، وبعيدا عن أي مؤثرات أو ضغوط أو تهديدات من أي جهة أو سلطة أخرى، وبحيث لا يكون خاضعا لضعوط أو مؤثرات بالتهديد أو الترغيب ويضمن ذلك أن يمارس النائب اختصاصاته باستقلالية، وبحيث لا يؤاخذ على أي رأي أو فكر يبديه داخل المجلس التشريعي أو في لجانه المتخصصة، كما يتمتع عضو المجلس النيابي أيضا بالحصانة بمعنى عدم اتخاذ إجراءات جنائية ضده إلا بإذن سابق من المجلس التشريعي، بينما تزول الحصانة في حالة التلبس نظرا لوضوح الجريمة وانتفاء شبهة الكيدية، ويعني ذلك أن الحصانة البرلمانية مثلها في ذلك مثل الحصانة القضائية والحصانة الدبلوماسية ليست ميزة أو استثناء لشخص بقدر ما يكون الهدف منها ضمان حسن سير العمل البرلماني وانتظامه.
ويمكن القول إن إساءة استخدام الحصانة البرلمانية في غير ما خصصت له أصلا يمكن أن يترتب عليه آثار سلبية نتيجة استخدام الحصانة في غير مجالها الأصلي وهو ما حدث في مصر في سنوات سابقة حيث ترتب على ذلك ظهور العديد من الصور والآثار السلبية وظهور أنماط من النواب الذين استغلوا الحصانة لتحقيق منافع شخصية ومخالفة القانون فأساءوا إلى الحصانة وأساءوا إلى أنفسهم وأساءوا إلى المجلس الذي ينتمون إليه حيث انعكست آثار ممارستهم السلبية باستغلال الحصانة على المجلس ككل وظهرت مسميات متعددة أطلقت على النواب المستغلين للحصانة في غير ما خصصت له مثل نواب المخدرات ونواب القروض، والنواب الذين تاجروا في تأشيرات الحج والعمرة والنواب الذين عملوا على التربح من خلال شراء عقارات من الدولة من خلال التلاعب واعادة بيعها لتحقيق مكاسب هائلة وغير ذلك من الأساليب التي تعكس استغلال الحصانة في غير مجالها الأصلي.
ونأمل ونتوقع ألا يكون هناك أي مجال في المجلس النيابي لاستغلال الحصانة من جانب أي نائب لتحقيق منفعة شخصية أو مصلحة ذاتية بل يكون الهدف دائما هو العمل على تحقيق مصلحة الوطن والمواطن في هذه الفترة الدقيقة التي تمر بها البلاد.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض