تتجه مصر في الفترة القريبة القادمة إلى استكمال الخطوة الثالثة والأخيرة من خريطة المستقبل السياسي التي ارتضاها وتوافق عليها الشعب المصري وهي إجراء الانتخابات البرلمانية التي ينتج عنها المجلس التشريعي (مجلس النواب) وتنتهي بذلك مرحلة الفراغ المؤسسي التي عانت منها مصر لأكثر من عامين، حيث إنه بانتهاء هذه المرحلة تستكمل مصر عملية بناء المؤسسات السياسية وهي العملية الضرورية لتحقيق وإنجاح التحول الديمقراطي في ظل وجود الرئيس المنتخب والدستور والمجلس التشريعي، ويمكن القول بأن طبيعة العلاقة بين السلطات وخصوصا السلطتين التشريعية والتنفيذية لها أهميتها الكبيرة في تحديد شكل نظام الحكم ودرجة استقرار المؤسسات السياسية، وتحقيق مصالح الوطن، ويمكن في هذا الإطار الإشارة إلى الملاحظات الأساسية التالية:
أولاً: السلطات في الدول الحديثة: تعرف الدول الحديثة والمعاصرة ثلاث سلطات أساسية وهي السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية، ولكل من هذه السلطات مهامه واختصاصاته، فالسلطة التشريعية هي السلطة المختصة بسن وإصدار القوانين والتشريعات، بينما السلطة التنفيذية هي السلطة المناط بها تطبيق وتنفيذ هذه القوانين والتشريعات، أما السلطة القضائية فهي التي تتولى الحكم بموجب القوانين التي تصدرها السلطة التشريعية بين المتقاضين على مختلف مستويات ودرجات التقاضي، وتعطي طبيعة العلاقة بين السلطات وخصوصاً السلطتين التنفيذية والتشريعية لأي نظام حكم سماته وخصائصه المميزة، حيث يمكن الإشارة إلى ثلاثة أشكال رئيسية للحكم وفقاً لطبيعة هذه العلاقة وهي:
أ- النظام البرلماني، الذي يعتمد على التداخل والتعاون الوثيق بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وبحيث تنبع السلطة التنفيذية من داخل البرلمان، حيث يصبح الحزب الحاصل على الأغلبية في الانتخابات البرلمانية حزباً حاكماً ويتولى رئيسه رئاسة الوزراء، ويصبح رئيس الوزراء بمثابة مركز الثقل في السلطة التنفيذية، بينما تكون سلطات رأس الدولة أقرب إلى كونها سلطات شرفية أو بروتوكولية، وتكون الوزارة مسئولة مسئولية تضامنية أمام البرلمان ولعل المثال التقليدي لذلك هو النظام البريطاني.
ب- النظام الرئاسي، ووفقاً لهذا النظام من أنظمة الحكم توجد علاقة فصل بين السلطات وتصبح العلاقة بين السلطات (نظرياً) أشبه بالخطوط المتوازية، بمعنى أن لكل سلطة مجالها ووظيفتها التي يجب ألا تتدخل فيها سلطة أخرى، وتتركز السلطة التنفيذية في رأس الدولة الذي يختار الوزراء (سكرتيري الدولة) ولا يوجد منصب رئيس الوزراء، كما أن الحكومة غير مسئولة أمام البرلمان، ويعتبر النموذج الأمريكي في الحكم ممثلاً لهذا النظام الرئاسي، الذي لا ينتمي فيه الرئيس بالضرورة إلى الحزب الحاصل على الأغلبية في الانتخابات التشريعية.
ج- النظام المختلط، وهو ذلك النظام الذي يجمع بين خصائص النظام الرئاسي مثل دور متميز لرأس الدولة، وبعض خصائص النظم البرلمانية مثل وجود برلمان قوي ووجود منصب رئيس الوزراء ومسئولية الحكومة أمام المجلس التشريعي، ويعتبر النظام الفرنسي نموذجاً واضحاً لهذا النظام من أنظمة الحكم.
ثانياً: علاقة السلطات في مصر وفقاً لدستور 2014، وفقاً لدستور 2014 في مصر، فإن نظام الحكم يكون وفقاً لنصوص ومبادئ الدستور المتعلقة بالسلطتين التشريعية والتنفيذية أقرب إلى النظام المختلط، فهناك سلطات مهمة لرئيس الجمهورية وهناك سلطات مهمة للمجلس التشريعي، فالأخير يقوم بمراقبة السلطة التنفيذية ومناقشة والموافقة على الميزانية العامة للدولة أو تعديلها ولمجلس النواب أن يقرر سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء أو أحد نوابه أو أحد الوزراء أو نوابهم ويكون ذلك بعد استجواب (المادة 131 من الدستور)، كما يمكن توجيه الاتهام لرئيس الجمهورية في حالات محددة على سبيل الحصر ووفقاً لآلية معينة (المادة 159 من الدستور) وهي حالات ضيقة ومحدودة ويمكن النظر إليها على سبيل الاستثناء.
كما توجد أيضاً اختصاصات مهمة لرئيس الجمهورية وفقاً للدستور فهو رئيس الدولة ورئيس السلطة التنفيذية، ويكلف رئيس الجمهورية رئيس لمجلس الوزراء بتشكيل الحكومة، ويضع بالاشتراك مع مجلس الوزراء السياسة العامة للدولة، ويمثل الدولة في علاقاتها الخارجية ويبرم المعاهدات، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويعين رئيس الجمهورية كبار الموظفين المدنيين والعسكريين ويعلن حالة الطوارئ على النحو الذي ينظمه القانون، وله حق العفو عن العقوبة أو تخفيفها بعد أخذ رأي مجلس الوزراء وله أن يصدر التشريعات في حالة عدم وجود المجلس التشريعي أو عدم انعقاده (المواد من 139-161 من الدستور).
ثالثاً: التعاون بين السلطات مصلحة وطنية، فمن الملاحظ أن وجود تعاون وتآزر بين السلطات هو أمر تتطلبه المصلحة الوطنية في جميع الأحيان، بل إن النظام الأمريكي الذي يعتبر نموذجاً لفصل السلطات من الناحية النظرية يعرف درجة من درجات التعاون والتآزر بين السلطات من الناحية الواقعية، فالكونجرس (سلطة تشريعية) يتطلب الأمر موافقته على التعيين في بعض المناصب، رغم أن الأصل أن ذلك اختصاص أصيل لرئيس الجمهورية، كذلك فإن الرئيس الأمريكي يمكنه في بعض الأحيان إصدار قرارات لها إلزامية القانون رغم أن سن القانون هو في الأصل اختصاص السلطة التشريعية، ولعل الفلسفة التي تفسر ذلك أن السلطات الثلاث توجد في نظام واحد ويتطلب الأمر أن تتضافر جهودها جميعاً لتحقيق المصلحة الوطنية، وهذا ما نتوقعه من مجلس النواب القادم، أي تتضافر جهود المجلس التشريعي مع السلطة التنفيذية لمواجهة والتغلب على التحديات المتعددة التي تواجه الوطن.
أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض