رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

بالحب نحيا وعلى الحب نموت

بوابة الوفد الإلكترونية

«المولوية» حكاية العشق غير المشروط

شمس الدين التبريزى يغير مصير جلال الدين الرومى

المولوى الأول يتحدى مجتمعه من أجل صديقه الذى يكبره بثلاثين عاماً

 

«فيما مضى كنتُ أحاول أن أغير العالم، أما الآن وقد لامستنى الحكمة، فلا أحاول إلا أن أغير نفسى».

هكذا أطلقها نحو السماء منذ أكثر من ثمانمائة عام، ليظل صداها يغمُر وعى كل من أرادوا العيش فى سلام، بعدما وجه الله خطواته نحو مرشده الروحى شمس الدين التبريزى، ليسأله: لماذا تأخذ نفسك بدراسة الفقه؟، فيجيب: «كى أعرف الشرع»، فيقول «التبريزى»: «أليس الأجدى أن تعرف صاحبه؟».

فيما أتصور أن الأمر لم يأخذ تفكيرا مطولا من جلال الدين الرومى كى يحول وجهته فى الحياة، ويصبح من أصحاب الخطوة والحظوة فى العشق الإلهى، بالطبع أنا لا أعرف كيف ترك «جلال الدين» دراسة الشرائع وتوجه إلى عشق صاحبها، ولا كم أخذ ذلك من سنوات عمره الستة والستين، التى عاشها بين تركيا ودمشق وبغداد، لكننى أوقن أنه لو درس الشريعة بعقله، فإنه توجه إلى حُب الله بقلبه، لأن لحظة السؤال والجواب التى كانت بينه وبين صديقه، الذى يكبره بثلاثين عاماً، كانت لحظة استجابة فى حياتهما، فأوتيا سؤلهما، فاخترقت شهرتهما الدنيا طولاً وعرضاً.

فى كل الأحوال هذه فرصة مناسبة كى نتوجه بالشكر إلى شمس الدين التبريزى، لأن ظهوره فى حياة محمد بن محمد بن حسين بهاء الدين البلخى، والذى صارت شهرته فيما بعد جلال الدين الرومى، هو ما استدعى الصوفى من روح «الرومى». وإحقاقاً للتاريخ، فإن كان علينا أن نشكر «التبريزى» مرة لظهوره فى حياة «الرومى»، فله أن نشكره على اختفائه منها أكثرمن مرة، لأن الزُمردة فى كتابات «جلال الدين» تمثلت فى كتابه «المثنوى»، والذى كتبه «الرومى» إثر خسارته «التبريزى»، حيث يبنى «الرومى» فى هذا الكتاب إرثاً دينياً عميقاً، استطاع أن يترك أثره على العالم شرقاً وغرباً.

الحقيقة أن هذه الخسارة لم تكن قدرية بقدر ما كانت طبقية، فلم تكن علاقة شمس الدين التبريزى وجلال الدين الرومى سهلة، فلم يكن مقبولاً من أهل «الرومى» الفيلسوف وعالم العقيدة الحنفية، سليل مجالس العلم دارساً ومدرساً، أن يقبلوا بتأثير «التبريزى» على ابنهم، خاصة وأنه كان يعتنق المذهب الشافعى، وهذا ليس تقليلاً من أحد المذاهب لحساب آخر، إنما هى طبيعة البعض الذين يتشددون لعقائدهم أو مذاهبهم، كما أن «التبريزى» عاش حياته هائماً على وجهه فى النواحى والبلاد، لذلك عانى الصديقان كثيراً من هذه الصداقة، وتعرضا لضغوط دفعت الرجل الكبير للانسحاب أكثر من مرة من حياة صديقه الشاب، لكن الحزن الذى كان يعيشه «الرومى» فى أوقات الغياب، كان يدفع أهله للبحث عن «شمس» وحثه على العودة إلى رفيقه.

أكثر من مرة وأنا أصف جلال الدين الرومى فى هذه السطور تخوننى الحروف فأكتب «ابن الرومى»، لأن ذاكرة الوعى الجمعى لدينا دائما ما تذكره على أنه «ابن الرومى»، فلا أحد منا يستطيع أن ينسى الشاعر أحمد عاصم وهو يتحدى شعر «ابن الرومى» فى فيلمه «الشموع السوداء» كما وصفه الفنان صالح سليم عدة مرات. لكن الواقع يخبرنا عكس ذلك، فجلال الدين لم يكن أبوه رومياً قط، فهو وأبوه أفغانيا الأصل والمولد، لكنه قضى معظم حياته لدى سلاجقة الروم فى قونية التركية، وهناك ذاع صيت عشقه الإلهى وحبه لجلال ربه، فحق عليه اسم جلال الدين الرومى، لذا فيصح أن نطلق عليه «الرومى»، لكن ابنه.. فلا!

وعلى كل حال، أنا لا مع هذا ولا ذاك، وصفه «بالمولوى الأول» يصادف هوى فى نفسى، لأن جلال الدين الرومى هو منْ وضع حجرة الأساس لرقصة «المولوية»، والتى خرجت منها فرق كثيرة تحمل نفس الاسم والوصف والهدف، وأصبح صيتها يملأ العالم الآن. كانت بداية إلهام «الرومى» لتلك الرقصة فى القرن الثالث الميلادى، وكان «جلال الدين» ناظم معظم الأشعار التى تُنشد فى حلقات الذكر الخاصة بها، وظل ملهمها حتى صارت أهم إحدى الطرق الصوفية السنية. كما وضع له دستوراً هو الحُب غير المشروط، «فالمولوى» يدين بدين الحُب، فبالحب يحيا وعلى الحب يموت، يؤمن بالتسامح غير المشروط، ويتقبل المغايرين له بكل سهولة ويسر.

لكن أجمل ما يميز هذه الطريقة أن العديد من أصحاب الديانات والملل غير الإسلامية، بل واللا دينيين أيضاً يُعدون من مريديها، ومنهم مهووسون بالذكر الإلهى، فيتتبعون الدراويش والفرق التى تضمهم فى كل مكان. والمبشر هنا أن الطريقة المولوية أو «سماع» أصبحت لا تشتهر بين

الزهاد والعُباد، ومن بلغ من العمر عتياً فقط، كما يتخيل كثيرون، بل صارت هواية فغواية فعشقاً بين الشباب والفتيات، ممنْ بدأوا للتو ربيع أعمارهم، حتى كدنا نرى حلقات الذكر تنافس حفلات المطربين الشباب فى الحضور.

والمولوى يسمى درويشاً وهى كلمة تعنى الشخص الفقير أو الممتن لأقل وكل الأشياء، وهو على عكس ما تختزله ذواكر الأغلبية من أن الدرويش شخص فاقد للتوازن النفسى أو مجذوب. وعادة ما يرتدى الدرويش عباءة سوداء تسمى «حركة»، يسبقها ألبسة بيضاء فضفاضة، أما القبعة العالية فتسمى «بالكلّة».

وإذا أردنا وصفاً لرقصة المولوية، فنجد أن أساسها الدوران حول النفس بهدف الصعود إلى مرحلة الكمال، حيث يرى المولوى أن الدوران هو المبدأ الأساسى للوجود، وهى فكرة كونية مأخوذة عن حركة دوران الأرض والشمس والكواكب، حيث كل شىء يدور، وتتآلف طقوس «سماع» من سبعة أقسام أولها، «النعت الشريف» وهى ترنيمة خاصة بالنبى محمد، وتكون من نظم الرومى، وفيها يُسمع قرع الطبول ممثلةً للأمر الإلهى «كُن». لتأتى بعدها «النفخة الإلهية» وهى صوت تقاسيم الناى وتمثل هذه النفخة الحياة التى أودعها الله فى كل مخلوقاته، فيشبّه الصوفيون أنين الناى بأنين الإنسان الذى غلبه الحنين للرجوع إلى ذاته. ثم تأتى ثالثاً «دورة السلطان ولد»، والسلطان ولد هو ابن جلال الدين الرومى، وفيها يدور الدراويش فى حلقة ويلقون السلام على بعضهم البعض ثلاث مرات، ويكون الدوران بعكس عقارب الساعة، وفيه الإشارة إلى التحرر من قيود الزمن. ثم يدخل الراقصون من باب «السلام»، الذى يتكرر أربع مرات، ويعتبر كل سلام درجة على سلم الصعود، ثم يخلع الدرويش عباءته السوداء التى ترمز إلى الجسد، فيكون قد تحرر من الزمن وخرج من الجسد، مرتدياً تنوراته البيضاء الطويلة التى ترمز إلى الكفن، آخذاً بالدوران البطيء ثم يفتح يديه كما الأجنحة، فيكون السلام الأول هو إدراك الإنسان لذاته وللخالق العظيم، والدوران يكون بثبات القدم اليسرى التى تدور فى مكانها، بينما تلتف القدم اليمنى حولها فى تتابع سريع، وتمثل القدم الثابتة الشريعة، والمتحركة تمثل الدنيا وما عليها. أما السلام الثانى فهو الاستسلام الكامل لقوى الحضرة الإلهية. لتصل الحلقة بعدها للسلام الثالث وهو الموت قبل الموت وفيه تكون يد الدرويش اليمنى ممدودة نحو الأعلى فى دلالة لاستقبال الحق، ويده اليسرى متجهة نحو الأرض، تنشر ما يستقبله الدرويش من الحق بين الخلق، فى خضم هذه الغبطة يتغلب الراقص على رغباته وذاته، محققاً مقولة «مُت قبل أن تموت». وهنا يكون الدرويش قد وصل إلى السلام الرابع والأخير فى دورانه، بعد أن يكون قد أكمل الإنسان بداخله رحلته الروحية عائدا إلى عالمه المادى ليخدم فيه بمحبة وسماح. وتستمر طقوس «المولوية» بتلاوة آية من سورة البقرة، ثم تختم بالدعاء وقراءة الفاتحة، الفاتحة التى هى فى الأساس ما إلا أجمل الدعاء.. وفى النهاية لا يتكلم الدرويش مع أحد، لكنه فقط يتجه إلى حجرته فى صمت للتأمل.