جمهورية أطفال الشوارع تطالب بـ «رئيس عادل»

مع الناس

الخميس, 24 مايو 2012 09:00
جمهورية أطفال الشوارع  تطالب بـ «رئيس عادل»
تحقيق: نادية صبحي

أمام صورة أحد مرشحي الرئاسة البارزين وقف «محمود» بملابسه التي تظهر من جسده أكثر مما تخفي، وضع في فمه جزءاً من رغيف تعفن معظمه، نظر إلى طابور لا متناه من الناخبين.. يحاول كل منهم الاحتماء من شمس لا ترحم.

خاطبهم الولد بحماس شديد.. «والنبي اختاروا واحد يحس بينا، ويرحمنا من بلاوي الشارع.. لا لينا أهل، ولا مأوي ونفسنا في لقمة نضيفة وبيت يلمنا».
أطفال الشوارع لم يدلوا بأصواتهم لاختيار رئيس مصر إلا أنهم عيون على مستقبل الوطن.. ينتظرون من يحتويهم ويرحمهم من عذاب الشوارع التي محت ملامح الطفولة على وجوههم واستبدلتها بالبؤس والذبول هربوا من جحيم الآباء ليكتوا بنار الأرصفة ومصاصي الدماء والمتاجرين بحلم البشر.. عرفوا الظلم وذاقوا ألوانه جوعاً وتشرداً.. تعرضوا لكافة أنواع الاعتداء البدني والنفسي ووقع كثيرون منهم في يد من لا يرحم فوقعوا في بئر الاستغلال والاستنزاف لبراءتهم.. لكن منهم من وجد بريقاً من أمل في دور رعاية كرست كل جهودها لمحاولة استعادة آدميتهم وتأهيلهم للتعايش مع المجتمع الذي لفظهم من قبل.
يقفون في ترقب.. عيونهم حائرة بين صور مرشحي الرئاسة التي تغطي حوائط الشوارع، أحدهم قال مبتسماً:
ده هيبقي الرئيس بس مش زي مبارك ضحك زميله.. اسكت يا بني كلهم زي بعض، لأ أمال التحرير بيعمل إيه.. لو غلط الثوار هيرجعوا.. ونرجع معاهم يا بني ناكل ونشرب ونهيص ونلاقي خيمة تلمنا أحسن من تحت الكوبري.
سأله زميل ثالث كان مشغولاً بالبحث في صندوق القمامة عن «لقمة نضيفة» تفتكر هيرجعونا لأهلنا فرد أحدهم: اهلنا مين يا بني هم لاقيين ياكلوا.
الولد الذي رفض الحديث بمجرد أن اقتربت منه نظر الى السماء، وقال: يا رب توب علينا من الشارع وبلاويه.
حاولت أن أستفسر عن تفاصيل هذه الجملة من أحدهم فأطلق الريح لساقيه.. بينما وقف الآخر وقال:
< عاوزة إيه يا أبلة؟
- اسمك ايه
< محمود.. حسن.. أي حاجة اللي تشوفيه.
- عندك كام سنة.
< يعني أنا كنت في ثالثة ابتدائي في مدرسة في البدرشين من حوالي سنتين يعني قولي 11 سنة.
- إيه اللي خلاك تسيب أهلك.
< أهل مين؟ هو بعد ما الأم تتجوز يبقي فيه أهل، أبويا سابنا أنا واخواتي وطفش كان سباك بعدها أمي سابتنا لجدي واتجوزت وجدي كان «نكدي» وشغلني على توك توك وكل يوم يضبرني علشان ياخد شقايا.. نزلت ميدان التحرير لأني سمعت في التليفزيون أن الخير كتير.. لكن خدنا ضرب من البياعين والعساكر.. الكل كان بيضرب فينا.
وبمجرد أن انهى كلماته سألني: هو صحيح البلد هتتغير يا مدام ونعيش كدة زي الناس.. أنا مش عاوز أروح لجدي ولا أمي.. إنما نفسي يبقي ليا عيلة الشارع وحش قوي وفيه عيال كبار بيعملوا كل حاجة وحشة وماحدش داري بيهم!
في شارع جامعة الدول العربية كانت تقف «حميدة» على باب أحد محلات الأطعمة الشهيرة تمد يدها تطلب أن يمنحها المترددون على المحل بعضاً مما يأكلونه فنهرها، فألبته بسيل من الشتائم ثم جلست على الرصيف تبكي وتبعد بيدها شعرها المبعثر الذي لم يمسسه ماء منذ فترة طويلة، اقتربت منها بحذر وتحدثت بحذر أيضاً:
- أنا مش شحاتة.. أنا عندي اخوات كثير وأمي بتشتغل في البيوت، وتأكلهم وأخويا الكبير هرب من السجن ساعة الثورة وبقى يضربني و«يشغلني» في الحاجات الوحشة علشان الفلوس ويضربني.. وحاجات ما تتقلش وتعبت نفسي أرتاح وألبس نضيف ويبقي لي بيت وأروح المدرسة زي العيال الي باشوفهم.
لم تتحدث الأرقام بصدق عن حقيقة الأعداد الخاصة بأطفال الشوارع على مستوى الجمهورية لكن الحقيقة المؤكدة أن أعدادهم في تنامٍ مستمر بل هناك أجيال منهم تنتشر في الشوارع تحت الكباري وفي المناطق الشعبية كالسيدة زينب وامبابة، وكذلك في المناطق الراقية التي تعتبر بالنسبة لهم كنزاً ثميناً بما يلقاه هؤلاء من مخلفات يفتشون

عن النافع منها في صناديق القمامة.. لكن أغلب المسوح التي أجريت تؤكد أن القاهرة تحظى بالنسبة الأكبر 58.7٪ تليها الجيزة 7٪ والقليوبية والاسكندرية.
ورغم أن أغلب اطفال القاهرة نازحون أصلاً من الصعيد إلا أن محافظات سوهاج وأسيوط وقنا يوجد بها نسبة ليست قليلة وأن نسبة تتجاوز الـ 85٪ من أطفال الشوارع من الذكور و15٪ من الإناث في المرحلة العمرية من «يوم الى 18 سنة» وهؤلاء يمثلون 84.6٪ ومن الملاحظات المدهشة في الدراسات الخاصة بأطفال الشوارع أن أكثر من 80٪ من هؤلاء الأطفال لديهم نشاط اقتصادي يدر عليهم ربحاً وتنوعت هذه الأنشطة بين التسول وبيع البضائع الرخيصة.. مسح السيارات وهذه النشاطات تكون نتاج استغلال من هم أكبر منهم والذين سبقوهم الى الشارع بسنوات.
ونتيجته ترك النظام السابق لظاهرة أطفال الشوارع تتنامى وتتشعب كالسرطان في شوارع مصر.
باتوا فريسة لعصابات السرقات والتسول بل والدعارة واستغلتهم مجموعات كثيرة في هذه الأغراض بل وتعددت حوادث القبض على عصابات تخصصت في الاتجار بدم أطفال الشوارع بل وأعضائهم.
وكان لأطفال الشوارع دور بارز على المسرح السياسي في أحداث 22 نوفمبر و6 ديسمبر التي أعقبت ثورة يناير، ونتيجة اشتراكهم في أعمال العنف امام وزارة الداخلية بشارع محمد محمود وكذلك مجلس الوزراء، وجد البعض فيهم متهماً مناسباً اطلق عليه «الطرف الثالث» الذي يقف وراء كل هذه الاحداث.
وعندما التقينا العديد من أطفال الشوارع بأحد المقرات التابعة للمجلس الأعلى للأمومة والطفولة بمدينة السلام، اكد لنا المسئولون ان ما تم القبض عليه فعلاً في الأحداث لايتجاوز 74 طفلاً ينطبق على 14 متهماً فقط مواصفات طفل الشارع وهؤلاء دافع محاميو المجلس عنهم وخرجوا وهكذا فان الجرائم التي ارتكبت في شارع محمد محمود وفي ميدان التحرير والمجمع العلمي برئاسة الوزراء، كان اطفال الشوارع فيها مجرد ضحايا وشماعة لتعليق الاتهام.
ووفقاً لما توصلت إليه مجموعات من المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال حماية اطفال الشوارع فقد تأكد أن كثيراً من اطفال الشوارع قاموا بالفعل بتغيير محل اقاماتهم، وجاءوا من احياء السيدة زينب وامبابة وأسفل الكباري المنتشرة بالقاهرة والجيزة وتمركزوا في ميدان التحرير ليكونوا قريبين من الاحداث وشارك البعض منهم في أعداء زجاجات المولوتوف والسقاء الحجارة على وزارة الداخلية وبعدها مجلس الوزراء، ورغم مشاركات فئات عديدة في  احداث الشغب والعنف وحرق مجمع التحرير إلا أن المسئولين ركزوا على اطفال الشوارع باعتباره الطرف الأضعف الذي لن يجد من يدافع عنه.
ولأن الشارع - كما قال محمد أو محمود - أياً كان اسمه - فيه بلاوي كثيرة.. لم أتعجب عندما وجدت صورة اخرى لأطفال الشوارع داخل مشروع إيواء اطفال الشوارع بمدينة السلام.. وجدتهم يلعبون فرادى وجماعات.. ورأيتهم في يعدون بمساعدة مشرفين في غاية الطيبة والسماحة، أكواب الشاي في المطبخ الخاص بالمشروع.. كانت ابتسامتهم «جميلة» ومبشرة رغم أن بعضاً منهم يرتدي ملابسه التي تحمل من ملامح الشارع الكثير.. لكنهم يتعاملون مع المشرفين بود وحب كبيرين، كأنما وجدوا أهلاً غير أهلهم والمشرفون يدركون جيداً أنهم يتعاملون مع فئة خاصة جداً من الأطفال.. فهناك حزم من الوداعة والقوانين التي حرصوا على تعليمها للأطفال، كما قال لي محمد سامي مدير المشروع وأكدته علا فراج مديرة البرامج بنفس المشروع.. فطفل الشارع هو أساساً خارج على القواعد
سألتهم كيف يأتي الاطفال الى هذا المكان وعلمت أنهم في البداية كفريق اخصائيين يلتقون الاطفال في اماكن تواجدهم ويتواصلون معهم في مدة لا تقل عن سنة يمدون فيها جسور الثقة ويقدمون لهم مساعدات طبية ونظافة شخصية وقد يكون الاطفال بلاشهادات ميلاد خاصة المواليد منهم، وهم ابناء البنات اللاتي يحملن بهم ويلدنهم في الشارع نتيجة اعتداءات وعلاقات غير سليمة، وبعد فترة يشعر بعض هؤلاء أنهن بحاجة الى من يستقبلهن وهنا يستقبل المشروع الاطفال الذين سبق التواصل معهم فيما يسمى بالخدمة النهارية حيث يجدون الألعاب والطعام والأهم من ذلك يجدون فريقاً يقدم لهم النصائح والقوانين التي يجب أن يحترموها ليعيشوا في سلام ويحترمهم المجتمع، كانت مديرة المشروع في غاية الاسف وهي تحكي لنا عن أمهات الشوارع اللائي يتم اغتصابهن أو اقامة علاقات مع غيرهم من أولاد الشوارع ويسفر ذلك عن انجاب اطفال يكونون في الغالب وسيلة لعمل المكائد بين امهات الشوارع فهذه تبيع طفل زميلتها بـ 50 جنيه وأخري تبيعه بـ 5 جنيهات وهناك بنات يبعن اطفالهن.. وعندما سألتهم عن توفير أماكن ليبيت فيها المترددون على المشروع قالت: يحدث ذلك بعد التأكد من اجتياز مرحلة التعود على القواعد فهناك منزل انتقالي يبيت فيه الطفل ويجد كافة انواع الرعاية ثم يعاد تأهيله لاعادة دمجه في المجتمع واعادته لأسرته ويستلزم ذلك تأهيل الاسرة نفسها، وخاصة ان 90٪ من هؤلاء الاطفال ضحايا ظروف اسرية في غاية القسوة فهناك زوج أم، أو زوجة أب وهناك من يتعرض لاعتداء من جانب أفراد الاسرة نفسها تصل الى حد زنا المحارم.
في المدرسة الصديقة بالدار وجدت هؤلاء الأطفال الابرياء يلتفون حول مدرستهم التي تلقنهم العلوم وتروي لهم القصص والحكايات وهم يستمعون بإنصات وتعلو الابتسامات وجوههم وهؤلاء الاطفال الذين يتعذر اعادة الحاقهم بالمدارس التي بدأوا فيها تعليمهم قبل هروبهم من بيوتهم.
كان المشرفون حريصين على الا يجبر الاطفال على سرد حكاياتهم مع الشارع.. لكنني وجدت على العكس تماما الاطفال بأنفسهم يسردون تفاصيل الهروب من بيت الأهل.. وحياة الجحيم في الشارع تلك التي دفعتهم الى اللجوء للاحتماء بالدار.
الشارع فيه بوليس وحاجات وحشة وحرامية وناس «بتتقفش» وفيه عيال كبار يتخطف الأصغر منها - ولا مؤاخذة يعني بيعلموا حاجات عيب - هكذا حكي مصطفى عن دوافعه للبحث عن مأوي بعيداً عن الشارع قال: أنا كنت في اسكندرية وشفت «ناس أعوذ بالله زي التوربيني اللي اتعدم ده ماكانش بني آدم.. وشفت واحد اسمه محمود كان عامل وشم على وشه كاتب «ماتخافش من ربنا وخاف من محمود» ولو واد عمل طيب ينضرب لازم يعمل مشاكل علشان يعيش في البلد دي».
أما عبد الرحيم فهو شاب عمره حوالي 18 عاماً قضى منها سنوات طويلة ينتقل من شارع لشارع سألته ليه؟
- عندي مشكلة في البيت مع جوز أمي تركت المنصورة وجيت مصر والله ما كنت لاقيه بطانية تدفيني في عز الشتا.. كان نفسي أتعلم وألاقي لقمة حلوة منه لله جوز أمي.
لم أندهش عندما تحدث هؤلاء الأطفال عن حلمهم في الرئيس القادم.
قال رضوان: عمرو موسى محترم.. وأبو الفتوح، ورد آخر: أنا عاوز خالد علي وشارك طفل لا يتعدى عمره الـ 8 سنوات، فيما يشبه الحلقة النقاشية قائلا: احنا عاوزين العادل مش اللي معاه فلوس.. ينظف الشوارع ويحمينا.
من أهم المراحل التي يمر بها طفل الشارع قبل العودة الى أهله ما تسمى باعادة الدمج حيث يقيم الاطفال اقامة كاملة بالمبنى ويواجه القائمون على هذه المرحلة صعوبات تديره، خاصة بالأهل مثل الاطفال ايضاً لأن اغلب الأطفال هاربون من أهل غير مؤهلين للتعامل معهم أصلاً.. بل ان العودة الى البيت هو الجحيم بعينه ولذا يتم متابعتهم دائما وبشكل منتظم إذا ما تمت اعادتهم كما قال لنا وائل صلاح المشرف على هذه المرحلة كما يتم التأكد من قدرة الاهل على حماية الطفل.. لان بعضاً او كثيراً من الاطفال هم ضحية اعتداء من الأهل.. لأن بعضاً او كثيراً من الاطفال هم ضحية اعتداء من الأهل.. ويمثل العديد من الحالات هنا كوارث انسانية تم تهذيبها وعلاجها علاجاً نفسياً وبدنيا فهناك طفل ضحية أب كان يحرضه على الاعمال المنافية للآداب ولم يتم عودته الا بعد التأكد من كلامه بحكم محكمة التحق الطفل بالمدرسة وفي ايام الامتحانات يتم متابعته ومساعدته على تحقيق النجاح وتجاوز محنته.
الانتكاسة هو أخطر ما يتعرض له طفل الشارع بعد عملية اعادة دمجه وعودته الى اسرته فيهرب من الاسرة ويعاود الكرة من جديد لذا فالمتابعة هنا مهمة جادة وشاقة ولازمة، فهل يجد اطفال الشوارع في الجمهورية الثالثة وطناً يحتويهم ويكون لهم الأب والأم ويرحمهم من عذاب الشارع، سؤال تجيب عنه السنوات القليلة القادمة.

 

أهم الاخبار