جلد الضحية والعفو عن الجلاد

لماذا نلوم فتاة التحرير بدلا من إنصافها..؟

مع الناس

السبت, 31 ديسمبر 2011 13:46
لماذا نلوم فتاة التحرير بدلا من إنصافها..؟
كتبت: عزة هاشم

إذا تعرض أى منا لانتهاك ما لن يدور بعقله على أى حال من الأحوال أنه سيقف فى موقف الملام ، وسيلقى على عاتقه ذنب ما تعرض له من أذى ، فمن الطبيعى أن يلام الجانى على فعلته وأن ترتفع أيدينا لتربت على كتف المجنى عليه، لا أن تنهال على وجهه بالصفعات، وتسدد له اللكمات عقابا على ما تعرض له من أذى. ولكن وللأسف فإن هذا لا يحدث دوما.

ترى هل كانت فتاة التحرير التى انتهك جسدها وكرامتها وتعرضت لمختلف أصناف الإمتهان تتوقع أن تتعرض لمحاكمة، لأنها لم ترتدى ساترا حديديا داخليا يحول دون ظهور جسدها إذا جاء من يتعد عليها ويمزق رداءها؟
لماذا نلقى باللوم على هذه الفتاة  وعلى غيرها من الضحايا بدلا من أن نحاول إنصافهم؟ لماذا ننظر إلى الضحية دوما وكأنها تشارك إيجابيا فيما تعرضت له من إنتهاك ؟

عدالة وهمية

الحقيقة أنه عندما يتلقى بعض الأفراد نبأ حدوث انتهاك أو جريمة ما فإنهم يسارعون بصنع " تصورات شخصية" - غالبا ما تكون خيالية - لما حدث ، ويضعون فى هذه السيناريوهات الوهمية التى يقومون بصياغتها  " وأيديهم فى الماء البارد"  إفتراضا دائما بأن الضحية كان يمكن أن تفعل شيئا ما يحول دون حدوث ما

حدث لها ، وإن لم تفعل هذا الشئ فهى وبلا شك مقصرة من وجهة نظرهم ، لأننا غالبا ما نحاسب غيرنا وفقا لأحكامنا الشخصية.
بل هناك من يذهبون إلى أبعد من ذلك وينظرون إلى الضحية ليس فقط على أنها مشاركة فيما تعرضت له من انتهاك، وإنما أيضا ينظرون إليها بوصفها المبادرة فيما تعرضت له وهو ما أطلق عليه عالم يدعى وولفجانج Wolfgang " مشاركة الضحية"  أو Victim Participation .

إن هذا التصور يدعمه ميل الناس إلى الإعتقاد فى " عدالة الكون" ، وهو ما تحدث عنه ليرنر وسيمونز Learner and Simmons بوصفه يعبر عن آلية للتعامل يستخدمها شخص ما عندما يرى شخص آخر يقع ضحية لانتهاك ما ، فيحاول تبرير الفعل من خلال القول بأنه لابد وأن يكون هناك سبب ما يخص الضحية نفسها هو ما جعلها تتعرض لهذا الإنتهاك ، ويتجه الناس إلى لوم الضحية بهدف تأكيد إعتقادهم بعدالة الكون ، ومن هنا يبحث الناس بدأب  عن مبرر للوم الضحية.

لوم الضعفاء

وغالبا ما يقع اللوم على الضحية من

وجهة نظر علم النفس بسبب خصائصها لا سلوكها، وليس غريبا هنا أن يقترن دوما لوم الضحايا بكونهم فقراء ، أو أقليات دينية أو عرقية ، أو أطفال أو إناث. الأمر الذى يعنى أن لوم الضحايا يقترن دوما بكونهم ضعفاء، وهو ما يجعلهم يواجهون القهر مرتين ، المرة الأولى عندما يتم الإعتداء عليهم فعليا ، والثانية عندما نحكم عليهم جورا وظلما بأنهم يستحقون ما تعرضوا له من إنتهاك.

ولاشك أننا لمسنا هذا الإتجاه واضحا على صفحات الفيس بوك وتويتر وفى تعليقات بعض ممن يحيطون بنا على ما حدث لفتاة التحرير، فبعد أن كانوا ينكرون تماما الواقعة، اتجهوا إلى القاء اللوم على الفتاة ، التى لم تتأهب لتمزيق ملابسها بارتداء ساترا حديديا أسفلها، ولو لم تكن الفتاة محجبة لألقى اللوم على سفورها، وإن كانت ترتدى ساترا حديديا أسفل ملابسها لتساءلوا لماذا خرجت من منزلها (وهناك من قال هذا بالفعل). ذلك لأننا فى مجتمع مازال لايؤمن بفكرة خروج المرأة للعمل، حتى وإن بدا غير ذلك، ففى مواقف كهذه يبدو تماما رفض المجتمع لمجرد خروج المرأة من منزلها.

علينا إذاً ألا نندهش ولا نتساءل لماذا تلام فتاة التحرير على ما تعرضت له من إنتهاك وهى الضحية ؟ لماذا نغفل قدم الجندى التى تدوسها ويده وهى تجذب ردائها ، ونتذكر فقط ما ظهر من جسدها؟

إن القضية هنا لا تتعلق فقط بهذه الفتاة، بل هى قضية مجتمع يستمرىء التوحد والتعاطف مع الأقوياء، ولا يتورع عن جلد الضحايا من الضعفاء.

موضوعات ذات صلة:

بالصور ..اعتداء وحشي على المتظاهرات

للفتاة المسحولة: انت مستورة

كاتبة وباحثة نفسية

 

أهم الاخبار