الراوى
«ليست كل الحكايات للتسلية.. بعضها مرآة، نرى فيها ما لا نحب أن نراه».
كان «حسام» شاباً بسيطاً، يظن أن الزواج قرار طبيعى، وأن العثور على الزوجة المناسبة لا يحتاج إلا إلى قلب طيب، وقليل من التفاهم، وبعض دعوات الأم الصادقة بعد صلاة الفجر. لكنه اكتشف مع الأيام أن اختيار شريكة العمر أصبح أصعب من اختيار شقة أو وظيفة، وأن بعض الناس يبدون رائعين من بعيد، لكن الاقتراب يكشف تفاصيل أخرى لا تظهر فى الصور ولا فى الكلمات المنمقة.
فى أولى محطات البحث، تعرف على فتاة كانت تحفظ أسماء الماركات العالمية أكثر مما تحفظ أسماء أقاربها. كانت تتحدث عن السفر، والرفاهية، وأحدث الهواتف، وكأنها تستعد لحياة نجوم السينما، لا لحياة زوجين يتقاسمان الأفراح والأزمات. وحين سألها عن أحلامها، أجابت ببساطة: «نفسى أعيش مرتاحة». وحين سألها عن معنى الراحة، وجد قائمة طويلة تبدأ بسيارة فاخرة، ولا تنتهى عند شقة مطلة على البحر. أدرك وقتها أنه يبحث عن زوجة، بينما هى تبحث عن ممول رسمى لأحلامها.
ثم قابل فتاة أخرى كانت تمتلك قدرة عجيبة على تحويل أبسط الخلافات إلى أزمة عالمية. إذا تأخر فى الرد على رسالة، أصبح متهماً بالإهمال، وإذا اختلف معها فى رأى بسيط، تحول الأمر إلى جلسة تحقيق مطولة. وكان يشعر أحياناً بأن الحياة معها تحتاج إلى وسيط دولى أكثر من حاجتها إلى زوج يتحمل مسئوليات البيت.
أما الثالثة، فكانت تعيش نصف حياتها أمام شاشة الهاتف. تعرف أفضل زاوية للتصوير، وتجيد التقاط عشرات الصور لفنجان القهوة، لكنها لا تعرف كيف تستمع إلى حديث بسيط دون أن تنظر إلى الإشعارات كل دقيقة. وكان يشعر أن الكاميرا صارت أقرب إليها من البشر، وأن إعجاب الغرباء أهم عندها من دفء الحياة الحقيقية.
وجاءت الرابعة وهى تؤمن بأن الزواج مشروع لإعادة تصنيع الرجل. تريد تغيير طريقة كلامه، وملابسه، وأصدقائه، وحتى ضحكته. وحين سألتها والدته ذات يوم: «يعجبك فيه ماذا؟»، أجابت بثقة: «هو جيد.. لكنه يحتاج إلى بعض التعديلات». فضحكت الأم وقالت: «يا ابنتى، نحن نزوج بنى آدم، لا نعمل عمرة موتور!»
ومع مرور الأيام، أدرك حسام أن المشكلة ليست فى العثور على فتاة جميلة، بل فى العثور على إنسانة تدرك أن الزواج مشاركة لا منافسة، وسكن لا استعراض، ورحمة لا صراع يومى لإثبات من الأقوى. فالجمال يلفت النظر، لكن حسن الخلق هو الذى يمنح القلب راحته، والبيت لا يبنيه الأكثر طلباً، بل الأكثر قدرة على الاحتواء والتفاهم.
وفى إحدى الليالى، بينما كان يحتسى الشاى مع والده، قال له الأب بهدوء: «يا بنى، الزوجة الصالحة لا تبحث عن رجل كامل، والرجل العاقل لا يبحث عن امرأة من نسج الخيال، فالبيوت لا تبنى بالكمال، بل بالعقول التى تعرف كيف تتجاوز النقص».
عندها ابتسم حسام، وأدرك أن تأخر الزواج ليس دائماً سوء حظ، بل قد يكون رحمة تؤجل الخطأ حتى يحين الاختيار الصحيح.
وقتها فهم أن أصعب قرار فى الحياة ليس الزواج نفسه، بل اختيار الإنسان الذى ستراه كل صباح، فلا تتمنى يوماً أن يعود بك الزمن لتختار من جديد.
«تلك كانت حكاية من حكاياتنا يقصها الراوى، ويترك لكم التعليق».
أستاذ الإعلام بكلية الآداب – جامعة المنصورة
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض