رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

"التوبة الصادقة".. أهم علاماتها وخطورة العدول عنها

بوابة الوفد الإلكترونية

من المقرر شرعًا أن التوبة الصادقة رحلة إصلاح تبدأ من القلب وتمتد إلى السلوك والعمل والعلاقات، وهي باب الرحمة المفتوح لكل من أراد العودة إلى الله بإخلاص وثبات. وكلما ازداد العبد مجاهدة لنفسه وافتقارًا إلى ربه، ازداد قربًا وطمأنينةً ونورًا في حياته.

التوبة الصادقة

ترتكز التوبة الصادقة على دعائم متينة تضمن للقلب ثباته، وتحميه من العودة لمواطن الزلل من خلال منهجية إيمانية وعملية واضحة، وَهُوَ دَائِرٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْطَابِ، هِيَ لَهُ كَالعُمَدِ وَالْأَبْوَابِ:

القُطْبُ الأَوَّلُ مِنَ المَوْقِفِ الْأَوَّلِ: تَحْقِيقُ النَّيَّةِ.

وَذَلِكَ بِتَصْمِيمِ العَزْمِ عَلَى عَدَمِ العَوْدِ لِمَا خُرِجَ عَنْهُ جُمْلَةٌ عِنْدَ الابْتِدَاءِ، وَتَفْصِيلًا فِي الدَّوَامِ، إِذْ لَا يَلْزَمُ عِنْدَ جَزْمِ التَّوْبَةِ تَذْكَارُ تَفَاصِيلِ مَا وَقَعَتِ التَّوْبَةُ مِنْهُ؛ لِمَشَقَّتِهِ، لَكِنَّ تُتْبَعُ بِأَحْكَامِهَا بَعْدَ ذَلِكَ.

وَدَوَاعِي الثَّبَاتِ فِي هَذَا العَزْمِ ثَلَاثَة أَشْيَاءَ:

أحدها: أَنْ تَفِرَّ مِنَ المَحَلِّ الَّذِي تَخْشَى مِنْهُ عَوْدَهُ جُمْلَةً، وَإِلَّا فَفِي الوَقْتِ الَّذِي تَخْشَى ذَلِكَ فِيهِ، أَوْ عِنْدَ ظُهُور أَوَّلِ أَسْبَابِهِ.

الثانِي: اتَهَامُ النَّفْسِ بِوُجُودِ بَقَايَا النُّزُوعِ إِلَيْهِ، حَتَّى تَكُونَ عَلَى حَذَرٍ مِنْهُ، وَإِلَّا وَقَعْتَ فِيهِ قَبْلَ الشُّعُورِ بِسَبَبِهِ أَوْ وَقْتِهِ.

الثالث: إِشْغَالُ النَّفْسِ عَنْهُ بِمَا يُقَابِلُهُ، حِسًا فِي الحِسَّيَّاتِ، وَمَعْنَى فِي المَعْنَوِيَّاتِ، دُونَ تَعْرِيج عَلَيْهِ، لَا مِنَ الوَجْهِ الَّذِي خرجَ عَنْهُ لِأَجْلِهِ، وَلَا مِنَ الوَجْهِ الَّذِي خرجَ عَنْهُ بِهِ، وَلِذَلِكَ قَالُوا: يَنْبَغِي عَلَى كُلِّ مَنْ ذَكَرَ ذَنْبَهُ تَجْدِيدُ النَّدَمِ عَلَيْهِ، فَافْهَمْ.


أخطر أسباب العودة إلى الذنب

وَدَوَاعِي الرُّجُوعِ إِلَيْهِ ثَلَاثَة:

أحدها: الغَفْلَةُ عَنِ النَّدَمِ، أَوِ التَّنَدُّمِ عِنْدَ تَذْكَارِهِ؛ لِأَنَّهُ يُورِثُكَ ذِكْرُهُ دُونَ ذَلِكَ ارْتِسَامَ صُورَتِهِ فِي النَّفْسِ، حَتَّى يَجِدَ خِلْسَة لِتَمَكُنِهِ عِنْدَ اشْتِغَالِ عَوَالِمِ القَلْبِ بِمَا هُوَ مُسْتَغْرِق لَهُ كَالعُلُومِ وَالْأَعْمَالِ.

الثاني: المُسَامَحَةُ بِإِعَارَةِ الطَّرْفِ لِمَحَلِّهِ أَوْ سَبَبِهِ أَوْ وَقْتِهِ، وَلَوْ فِي لَحْظَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى وَجْهِ مِنَ الاعْتِبَارِ، إِلَّا مَعَ تَكْرَارِ النَّدَمِ وَتَحْقِيقِ الْأَنْفَةِ، وَهُوَ أَتَمُّ مِنَ النَّدَمِ لِأَنَّ حَدِيثَ العَدَاوَةِ قَدْ يُثِيرُ رِقَةً وَحَلَاوَةً، لَا سِيَّمَا مَعَ تَجَدُّدِ مَحَلّ الْأَذَى وَهُوَ نَفْسُ الفِعْلِ.

الثالث: الثَّقَةُ بِالنَّفْسِ فِي عَزْمِهَا، وَحُسْنُ الظَّنِّ بِهَا فِي حَالِهَا، وَمُرَاجَعَةُ مَحَلّ السَّبَبِ لِاخْتِبَارِهَا، وَلَوْ بِإِخْطَارِ ذَلِكَ عَلَى البَالِ، دُونَ تَأَمُّلٍ؛ فَإِنَّهُ بِمَثَابَةِ رَشَّاشِ المَاءِ لِلنَّارِ الخَامِدَةِ، لَا يَزِيدُهَا إِلَّا اشْتِعَالًا، وَالنَّفْسُ نَارٌ كَامِنَةٌ عِنْدَ ظُهُورِ الحَقِّ عَلَيْهَا، لَا يَأْمَنُهَا إِلَّا غَبِيٌّ، وَلَا يَحْذَرُهَا إِلَّا عَاقِلٌ ذَكِيٌّ، فَاعْلَمْ ذَلِكَ.

قَدْ لَا تَشْمَلُ التوبة، فَيَكُونُ الحُكْمُ فِي مُتَعَلَّقِهَا عَلَى حَسْبِ حَالِهَا وَمَحَلَّهَا، وَقَدْ يَخْتَلُّ النَّظَامُ بِالعَوْدِ، فَيَعُودُ الحُكْمُ ثَانِيًا كَمَا كَانَ أَوَّلًا، وَيَلْزَمُ التَّحَفُظُ الْآنَ أَكْثَرَ، مَعَ البَحْثِ عَنْ وَجْهِ الرُّجُوعِ حَتَّى يُحْسَمَ، إِذْ لَا يَخْفَى السَّبَبُ بَعْدَ الْأَوْبَةِ، إِلَّا لِهَوَى غَالِبٍ مُتَمَكِّنٍ بِالْجَدَلِ.

فَإِنْ عَارَضَ الشَّيْطَانُ بِقَوْلِهِ: "أَيُّ فَائِدَةٍ لِتَوْبَةٍ يَعْقُبُهَا عَوْدٌ؟!".

قِيلَ لَهُ: كَمَا اتَّخَذْنَا العَوْدَ إِلَى الذَّنْبِ حِرْفَةً، نَتَّخِذُ التَّوْبَةَ حِرْفَةً، وَلَعَلَّ المَوْتَ يَأْتِي وَالصَّفْقَةُ تُصَادِفُ.

فَإِذَا عَلَّلَ بِوَهَنِ العَزْمِ، رُدَّ بِأَنَّ المَطْلُوبَ وُجُودُ الصُّوَرِ، لَا مَا لَيْسَ فِي مَقْدُورِ البشر.

فَإِنْ قَابَلَ بِأَنَّهُ مَقْدُورٌ، فَأَعْرِضْ عَنْهُ لِوُجُوبِ العَمَلِ، عَمَلًا عَلَى قَوْلِ سُفْيَانِ - رحمه الله: "تَرْكُ الذُّنُوبِ أَيْسَرُ مِنْ طَلَبِ التَّوْبَةِ"، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.


الحذر من النفس في طريق التوبة

فالقَلْبُ مَحَلُّ عَجْزِ البَشَرِ، فَلَا أَعْوَنَ عَلَيْهِ مِنْ دَوَامِ اللَّجأِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فِي طَهَارَتِهِ أَوَّلًا، ثُمَّ فِي ثَبَاتِهِ آخِرًا، فَلِذَلِكَ كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يُكْثِرُ مِنْ قَوْلِهِ: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» [الترمذي: ٢١٤٠]، وَهُوَ ذِكْرُ هَذَا القُطْبِ وَدُعَاؤُهُ، وَكَذَلِكَ: ﴿لَّاۤ إِلَٰهَ إِلَّاۤ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّی كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِینَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وَتُكَرَّرُ وِتْرًا فِي آخِرِ كُلِّ سَجْدَة لِكُلِّ دَفْع، وَكَذَلِكَ سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ؛ وهو الدعاء الذي أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب أفضل الاستغفار، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لاَ إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، إِذَا قَالَ حِينَ يُمْسِي فَمَاتَ دَخَلَ الجَنَّةَ - أَوْ: كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ - وَإِذَا قَالَ حِينَ يُصْبِحُ فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ مِثْلَهُ» [البخاري: ٦٣٢٣]، وَنَحْوُهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

القُطْبُ الثَّانِي مِنَ المَوْقِفِ الأَوَّلِ: رَدُّ المَظَالِمِ إِلَى أَهْلِهَا وَاسْتِدْرَاكِ مَا ضُيِّعَ أَوَّلًا.

وَهُوَ وَاجِبٌ لِتَحْقِيقِ العَزِيمَةِ، وَرَدِّ الهَزِيمَةِ، وَدَفْعِ الهَضِيمَةِ، وَمَرْجِعُهُ النَّظَرُ فِيمَا فُرِّطَ بِاعْتِبَارِ مَا ثَبَتَ مِنْهُ أَوْ سَقَطَ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْوَاقِعَ مِنَ المَآثِمِ، دَائِرٌ بَيْنَ ثَلَاثَة أَوْجُهِ وَمَعَالِم:

الْمَعْلَمِ الأَوَّلِ: سَيِّئَات مُجَرَّدَة عَنِ التَّطْبِيعِ وَالظُّلَامَاتِ.

وَلَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا العَزْمَ وَالنَّدَمَ عَلَى مَا فَاتَ، وَالْحَزْم فِي المُسْتَأْنَفِ، بَدَلًا مِنَ الإِهْمَالِ فِي السَّالِفْ.


علامة التوبة الصادقة

وَعَلَامَةُ الصِّدْقِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَة أَشْيَاءِ، يَعْرِفُهَا ذَوُو القُلُوبِ الْأَحْيَاءِ:

أَحَدُهَا: وُجُودُ الحَلَاوَةِ فِي التَّرْكِ، بَدَلًا مِنَ الاسْتِلْذَاذِ بِالفِكْرِ.

الثَّانِي: نِسْيَانُ الخَلْقِ لِذَلِكَ الذَّنْبِ، وَتَسْخِيرُهُمْ أَوْ تَسْلِيطُهُمْ، تَذْكِيرًا لِمِنَّةِ.

الثالِث: العَمَلُ فِي أَسْبَابِ الثَّبَاتِ، وَالتَّحَفُظُ مِنَ النَّكصِ بِكُلِّ الْجِهَاتِ.

وَعَلَامَاتُ بَقَائِهِ فِي النَّفْسِ، ثَلَاثَة مِنْهَا يَدْخُلُ الرُّجُوعُ وَاللَّبْسُ:

أَحَدُها: الاستئناس بِذِكْرِهِ، وَلَوْ عَلَى سَبِيلِ الذَّمِّ وَالتَّنْفِيرِ.

الثَّانِي: مُصَابَرَةُ النَّفْسِ فِي مُقَدِّمَاتِهِ أَوْ نَتَائِجِهِ تَسْوِيفًَا، وَلَوْ بِالسَّمَاحِ فِي أَوَّلِ -خَاطِرٍ أَوْ هَاجِسٍ، ثَقِيلًا كَانَ أَوْ خَفِيفًا.

الثَّالِث: التَّشَوُّفُ لِمَنْ بُلِيَ بِهِ وَلَوْ بِتَرَحْمِ، وَالتَّوَقُفُ عِنْدَ دَوَاعِي النَّظَرِ فِيهِ دُونَ تَقَحُمِ.