رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

استقرار الأسرة.. اعرف سر دوام المودة من التصوف الإسلامي

 أثر استقرار الأسرة
أثر استقرار الأسرة في بناء الإنسان

على وقع خطبة الجمعة اليوم التي خصصتها وزارة الأوقاف للحديث عن أثر استقرار الأسرة في بناء الإنسان، تبرز الرؤية الصوفية باعتبارها من أبرز المدارس التربوية التي أولت الأسرة اهتمامًا بالغًا، ورأت أن استقرار الأسرة لا يتحقق بالروابط المادية وحدها، وإنما يقوم على الحب والمودة والرحمة باعتبارها ركائز أساسية لبناء الإنسان السوي والمجتمع المتماسك.

جوهر العلاقة الزوجية عند الإمام الغزالي

أكد الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" أن الزواج ليس مجرد علاقة اجتماعية، بل هو رباط شرعي وروحي يعين الإنسان على طاعة الله ويحقق الألفة بين القلوب، موضحًا أن التلاحم بين الزوجين نعمة إلهية تحفظ الأسرة من أسباب التفكك والنزاع.

وقال الغزالي: «فإن النكاح معين على الدين، ومهين للشياطين، وحصن دون عدو الله حصين، وسبب التلاحم والتآلف الذي جعل الله عقدته بمحكم كتابه».

وتكشف هذه الرؤية أن استقرار الأسرة يبدأ من ترسيخ معاني الود والتراحم بين الزوجين، بما ينعكس على الأبناء ويمنحهم بيئة آمنة للنمو النفسي والروحي.

المحبة طريق إلى تماسك البيوت

ومن جانبه، تناول الإمام أبو القاسم القشيري مقام المحبة باعتباره من أعظم المقامات السلوكية التي تهذب النفس وتدفعها إلى الإيثار والتضحية، ناقلًا عن الإمام الجنيد البغدادي قوله: «المحبة: دخول صفات المحبوب على البدل من صفات المحب».

ويرى القشيري أن المحبة الحقيقية داخل الأسرة تذيب الأنانية وتُعلي قيم التعاون والرحمة، فيصبح كل فرد حريصًا على راحة الآخر وسعادته، وهو ما يرسخ استقرار الأسرة ويجعلها أكثر قدرة على مواجهة التحديات والأزمات.

سر دوام المودة

أما سيدي ابن عطاء الله السكندري، فقد ربط دوام المحبة بين الزوجين بحسن المعاملة والكلمة الطيبة والتسامح، معتبرًا أن الثمار الطيبة التي تظهر في العلاقات الإنسانية دليل على سلامة الأصل.

وفي حكمه الشهيرة يقول: «من وجد ثمرة عمله عاجلًا فهو دليل على وجود القبول آجلًا»، في إشارة إلى أن المعاملة الحسنة داخل البيت تثمر سكينة ومودة واستقرارًا يدوم أثره.

ومن هذا المنطلق، فإن استقرار الأسرة لا يتحقق بالشعارات أو الأمنيات، بل بالممارسات اليومية التي تعزز الاحترام والتفاهم وتغرس المحبة في النفوس.

الأسرة المستقرة.. مصنع الإنسان الصالح

وتتفق إشارات أئمة التصوف على أن الأسرة ليست مجرد إطار اجتماعي، بل هي المدرسة الأولى التي تتشكل فيها شخصية الإنسان وقيمه وسلوكياته، لذلك كان الاهتمام بتقوية الروابط الأسرية جزءًا من مشروعهم التربوي والإيماني.

وتؤكد هذه الرؤية أن استقرار الأسرة يمثل حجر الأساس في بناء الإنسان القادر على العطاء والإصلاح، وأن الحب الصادق بين أفرادها يظل الحصن الأقوى في مواجهة مظاهر التفكك والعنف والصراعات الأسرية.

رسالة خطبة الجمعة

وتتوافق هذه المعاني مع ما أكدته وزارة الأوقاف في خطبة الجمعة بعنوان "أثر استقرار الأسرة في بناء الإنسان"، حيث شددت على أن بناء المجتمعات يبدأ من بناء الأسرة، وأن تنشئة الأجيال على قيم الرحمة والمودة والاحترام تسهم في صناعة إنسان متوازن نفسيًا وأخلاقيًا.

وهكذا تكشف الرؤية الصوفية أن استقرار الأسرة ليس مجرد هدف اجتماعي، بل قيمة إيمانية وتربوية عميقة، ينطلق جوهرها من الحب الذي يجمع القلوب ويصنع الإنسان ويعمر الأوطان.