رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

رحلات الحج عند المصريين القدماء

بوابة الوفد الإلكترونية

الطواف والإزار الأبيض وذبح الأضحية.. أبرز مظاهر الحج لدى قدماء المصريين
"الرقاق" ورسم طقوس الحج على جدران المنازل.. طقوس متشابهة
المصريون قاموا ب"السعي" أثناء الحج تيمنا ب "إيزيس"

 

 

منذ ما يزيد على ألف وأربعمائة عام، تعارف المسلمون على الشعيرة الأكبر، والمتمة لأركان الإسلام، وربما كان "الحج" لبيت الله، بمعناه الروحي، قد مارسته قريش، قبل بعثة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، (بما يحيلنا إلى قليل مما تبقى حينها من دين سيدنا إبراهيم في تلك المنطقة)، وبمجئ الإسلام تغيرت كل طقوس الحج، فلم يبق من تشابه فيه سوى الطواف حول الكعبة، لتسقط كل طقوس الشرك التي كان يمارسها أهل مكة عند حجهم لبيت الله قبل دخول الإسلام.

على أن التاريخ يحمل لنا في طياته ما لم يتوقف عنده الكثيرون، فها هو يحيلنا لما يزيد على خمسة آلاف عام مضت، حيث نجد طقوسا "تتطابق" إلى حد بعيد، مع طقوس الحج في الإسلام، إلى حد تشابه الملابس والطواف والسعي والذبح، وغيره، ورغم عدم وجود كلمة تطابق مصطلح "الحج" في اللغة المصرية القديمة، إلا أن النقوش والرسوم كشفت عن رحلات دينية كان يقوم بها المصريون إلى أبيدوس لأداء الطقوس والشعائر تتوافق كثيرا مع طقوس الحج لدى المسلمين. 
هكذا حج المصريون القدماء إلى "أبيدوس"، فما هي تفاصيل هذا الحج؟


* أبيدوس.. مدينة الحج المقدسة

تقع أبيدوس التي تُعرف حالياً بـ "العرابة المدفونة" في صعيد مصر، بالقرب من مدينة البلينا بمحافظة سوهاج، وكانت هذه المدينة القديمة، المعروفة باسم "أبدجو" بالهيروغليفية، مركزاً دينياً رئيساً مخصصاً لأوزوريس، إله الحياة الآخرة.
وبعد التوحيد أصبحت أبيدوس موقعًا مهمًا للفراعنة حيث توجد بها مقابر "أم القعاب" التي تضم مقابر الملوك من الأسرتين الأولى والثانية، وعلى رأسهم الملك نارمر "مينا". تلك المقابر التي أشارت دائرة المعارف البريطانية إلى أهميتها.

*طقوس الحج إلى أبيدوس

بدأ الحج إلى أبيدوس منذ بداية الدولة القديمة، وزادت أهميته على مر العصور، لا سيما خلال عصر الدولة الوسطى (حوالي 2055 - 1650 قبل الميلاد) والدولة الحديثة (حوالي 1550 - 1069 قبل الميلاد)، وكان الحجاج يأتون من جميع أنحاء مصر، ويتوجهون إلى أبيدوس سيراً على الأقدام أو بواسطة القوارب على طول نهر النيل، وعند الوصول يرددون عبارة "السلام عليك أيها الإله العظيم وسيد تاور العظيم في أبيدوس لقد أتيت إليك فأنت صاحب العطف استمع لندائي ولبِ
ما أقوله فإني واحد من عابديك".

وكان للموسم الرئيسي للحج ميعاد ثابت ومحدد، فهو يبدأ  يوم الثامن من الشهر الأول من فصل الفيضان، ويستمر الحج لمدة 14 يوماً في شهر كهيك المصري القديم (من 15 إلى 28 كهيك) ويقابله في الميلادي 24 ديسمبر وحتى 6 يناير، حيث يشارك الحجاج في مواكب جنائزية رمزية تعيد تمثيل وفاة وقيامة أوزوريس. وكانت هذه المواكب تبدأ من معبد الكرنك في طيبة وتنتهي في أبيدوس.


* تطابق مثير في الطقوس

على أننا إذا ما تأملنا تلك الطقوس التي مارسها المصري القديم أثناء الحج، سنجد أنها تحمل تطابقا عجيبا بينها وبين طقوس الحج في الإسلام، فإن طقوس الحج لأبيدوس تبدأ بارتداء الملابس البيضاء وكانت عبارة عن إزار من الكتان يلتف حول الكتف الأيسر نظرا لوجود القلب به الذي يحتوي على جزء صالح وجزء فاسد، فكان المصري يغطي قلبه بالثوب حتى يستر الجزء الفاسد أمام الإله، حيث كان الإزار والنقبة مخصصين للرجال بينما ترتدي النساء ملابس طويلة (نفس رداء الحج لدى المسلمين).
ثم يبدأ الطواف "لاحظ" حول قبر الإله أوزوريس، ثم ذبح الأضحية أو القربان، وكانت عبارة عن ثور أو بقرة، وبعدها يتناول الحاج لوحة نذرية من الحجر أو الخشب ليكتب عليها أمنياته (في فعل يشبه الأدعية التي يدعوها الحاج أمام الكعبة وقيام المسلم بذبح الهدي".

و"يطوف" "الحجاج" حاملين شتلات أشجار ليزرعوها بجوار مقام أوزيريس، هديةً لروحه ورحمة لروح أمواتهم، ويستغرق طقس عيد الشجرة الثلاثة أيام الأولى من الحج، ويشارك فيه الحجاج جميعاً مع الكهنة.


ثم يحل يوم النذور بتقديم الهدايا والالتزامات التي وعد الحاج بتقديمها لأوزير، وكانت النذور تخصص للكاهنات، رديف الربات المنذرات وليس للكهنة الممثلين للأرباب.
وفي اليوم الخامس والسادس والسابع يستمتع الحجاج بمسرحية تمثيلية هي من أكثر طقوس الحج إثارة، وتسمى هذه الأيام "العبْط والنجر"، حيث يشرف الكهنة على تشكيل فريقين يجسدان الملحمة الأوزيرية؛ فريق يمثل الجانب الأوزيري وآخر يمثل جانب أخيه ونائبه "ست". ويبرر هؤلاء ما قام به "ست" من تقطيع جسد أخيه، بارتكاب الأخ أوزيريس علاقة آثمة مع زوجة "ست" وهو غائب عن الوعي من أثر الشراب. كلٌّ من الطرفين يلقي بحججه وأسبابه ودوافعه لما حدث في القصة الشهيرة. وينتهي الأمر بمعركة التحطيب والعبط، أي الاشتباك بين أنصار الفريقين.
ثم يأتي اليوم الثامن ويسمى يوم السعي، وفيه يقلد الحجاج إيزيس وهي تنبش في الأرض بحثاً عن أجزاء جسد زوجها "وهو يشبه سعي المسلمين بين الصفا والمروة تقليدا للسيدة هاجر أم سيدنا إسماعيل التي كانت تبحث عن الماء والطعام".
ويسمى هذا اليوم عند قدماء المصريين "مسختيو"، ومنه جاءت كلمة "المساخيط" التي تطلق على التماثيل القديمة.
ثم اليوم العاشر وهو يوم المزواد أو وليمة العشاء الأبدي المقدس. وتقدمه كاهنات الربات الحاميات للحجيج، ويمثل هذا العشاء المطبخ المصري منذ آلاف السنين. وفي اليوم العاشر يقدم الحجيج الهدايا"الحِبِّيّة" أي التي بلا مقابل للكاهنات والكهنة، من الحبوب أو الأقمشة أو الطيور أو الأضاحي.
ويخصص اليوم الحادي عشر للطواف حول مقام أوزير، وفاء لوعد قطعَه الصقر حورس (ابن أوزير) على نفسه أن يظل حارساً لمقام أبيه. 
ثم يأتي اليوم الثاني عشر وهو يوم الذكر، وفيه يجتمع الحجاج في صفوف يرددون أناشيد وتراتيل النصر، محركين رؤوسهم ناحية اليمين والشمال مثل التفاتات رأس الصقر، وهو طقس يشبه حلقات الذكر الصوفية في العصر الحالي.
أما اليوم الثالث عشر فيخصص للتطهر بمياه النهر العظيم والتعطر والتطيب "فيما يشبه قدسية ماء زمزم". واليوم الأخير يشهد ذروة الحج بطقس رمزي يسمى "عمود الجد" حيث يرفع الكهنة عموداً خشبياً مغطى بالكتان الأبيض على شكل مومياء، لتجسيد قيامة أوزير، وسط الصيحات والصلاصل ودقات الطبول.
وبعد عودة الحاج كان يقوم برسم طقوس الحج على جدران منزله وفي مقبرته.

هكذا كان المصريون يعتقدون أن أبيدوس تمثل بوابة إلى العالم الآخر، وأن أوزوريس، الذي كانوا يعتقدون أنه مدفون هناك، يمكنه ضمان القيامة والحياة الأبدية. وكانت الطقوس الجنائزية تهدف إلى استرضاء أوزوريس، ومنح الأمل للمتوفى في الحياة الآخرة.
كما كان مشهد رحلة الحج إلى أبيدوس من أبرز المشاهد التي يحرص المصري القديم على نقشها داخل مقبرته، حتى لو لم يتمكن من أداء الرحلة خلال حياته بسبب تكلفتها المرتفعة.


*عادات اجتماعية متشابهة

ولا يقتصر التشابه هنا على طقوس ممارسة شعيرة الحج، بل إن هناك تشابها كبيرا في العادات والتقاليد المرتبطة بعيد الأضحى مارسها المصري القديم ومازلنا نمارسها حتى الآن، ومن أشهرها تناول "الرقاق" وهو نوع من المخبوزات يعود تاريخه إلى العصور الفرعونية، حيث اشتهر المصري القديم بصناعة أكثر من 100 نوع خبز، وهو ما تؤكده القطع الأثرية في المتحف الزراعي.

ومن الطقوس التي مارسها المصري القديم بعد ذبح الأضحية وما زال البعض يمارسها حتى اليوم، وضع آثار دماء الأضاحي على جدران المنازل أو السيارات، وهي عادة ترجع جذورها إلى المعتقدات المصرية القديمة، فقد ارتبط اللون الأحمر والدم لدى القدماء المصريين بالحماية من الشر والحسد وطرد الأرواح الشريرة، إذ كانوا يعتقدون أن رسم الكفوف المُلطخة بالدماء يساعد على درء الشرور.
كما استخدمت "الكفوف الخمسة" قديما كتمائم توضع داخل التوابيت أو بين أربطة المومياوات للحماية من الأرواح الشريرة.


ختاما، ربما تشابهت طقوس الحج ومفرداته بين كثير الأمم، بدءا من التطهر بالماء وارتداء الملابس على الأجساد العارية، والطواف والأدعية والابتهالات والصلوات، كلها طقوس وردت في كثير من الثقافات، سواءً كانت في الثقافة الطاوية أو الهندوسية أو الإسلامية، إلا أن التاريخ يثبت أن أول من بدأ تلك الطقوس كان المصريين القدماء وواظبوا عليها منذ آلاف السنين، فكثيرا ما يحمل التاريخ مفارقات نظنها أحيانا نوعا من الصدفة، وأحيانا أخرى قد تثير بداخلنا معاول الشك الذي يقودنا للبحث عن الحقيقة، أو الاكتفاء بالصمت والتسليم لما تم توارثه..

مراجع: كتاب "ذكريات الحج الأبدي"، سامي حرك
كتاب "مصر القديمة"، سليم حسن.