رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

مراجعات

عندما زُرتُ محافظة شمال سيناء، للمرة الأولى، شعرتُ أنني لا أزور مكانًا عاديًّا، وإنما قطعة عزيزة من روح الوطن، فهي ليست مجرد مساحة جغرافية، بل كنز مصري زاخر بالخيرات والطبيعة الخلابة والتاريخ المُشرق الذي نفخر به جميعًا.

بدخولي مدينة «العريش»، بدا المشهد وكأنه لوحة سيريالية، تجمع بين سحر البحر وهيْبَة الصحراء، حيث يمتد «المتوسط» في هدوء آسِر، بينما تحتضن الرمال الذهبية المكان بروح بدوية أصيلة.

منذ اللحظة الأولى التي وطأتُ فيها بقدميَّ «أرض الفيروز»، شعرتُ بأنها ليست مجرد مدينة ساحلية، بل حالة إنسانية خاصة، تحمل في ملامحها الأصالة والبساطة والجمال والطمأنينة، فالطبيعة هناك مدهشة بكل تفاصيلها، حيث الهواء النقي، وصفاء السماء، وأصوات الأمواج التي تتسلل إلى القلب قبل الأذن.. وكلها أشياء تمنح الزائر شعورًا نادرًا بالسَّكينة.

لعل أكثر ما تركَ أثرًا قويًّا في نفسي، هو الإنسان «السيناوي»، حيث رأيتُ في وجوه أهل سيناء، الكبرياء النبيل، والكرم الصادق، كما شاهدتُ أيضًا ملامح تاريخ طويل من العطاء والتضحيات والنُّبل.

يقينًا، لم يكن أبناء سيناء يومًا مجرد سكان لهذه الأرض، بل حراسها الأوفياء، الذين تحملوا الكثير دفاعًا عنها، وعن مصر كلها، ورغم ما مروا به من تحديات جسيمة، بقيت قلوبهم عامرة بالمحبة، وابتسامتهم الصافية قادرة على احتواء كل ضيف أو زائر.

في جولتي بأسواق «العريش» وشوارعها الهادئة، شعرتُ بأن الزمن يسير بإيقاع أكثر هدوءًا وإنسانية، فلا ضجيج يُرهق الروح، ولا ازدحام يسرق جمال اللحظة.. كل شيء هناك يحمل طابعًا بسيطًا ودافئًا.. أطفال يركضون ببراءة، وباعة يتبادلون التحية بمحبة، ورائحة خبز بدوي تمتزج بنسيم البحر، لتصنع ذاكرة لا تُنسى.

إن زيارتي الأولى لشمال سيناء لم تكن مجرد رحلة عابرة، بل كانت اكتشافًا حقيقيًّا لمعاني الانتماء والفخر، حيث أدركتُ أنها ليست فقط أرضًا جميلة، مليئة بالكنوز والخيرات، بل صفحة مضيئة من تاريخ مصر، وموطن لشعب يستحق كل المحبة والتقدير.

غادرتُ «العريش» موقنًا أن بعض الأماكن لا تغادرنا أبدًا، لأنها ببساطة تسكن القلب منذ اللحظة الأولى، خصوصًا عندما نتحدث عن أرضٍ عبَرَت فوقها حضارات ارتوت بعرق أبنائها وتضحياتهم، لتبقى دائمًا رمزًا للصمود والكرامة والانتماء.

تلك الرحلة، ستبقى عالقةً في روحي كأغنيةٍ بدويةٍ قديمة، تُسمَع كلما هبَّتْ في الذاكرة روائح الحنين، فالصحراء ليست فراغًا كما يعتقد العابرون، بل امتلاءٌ مَهيبٌ بالصمت، وأن البحر حين يُجاور الرمال يولِّدُ في القلب اتّساعًا لا يُشبِه أيَّ مكان.

أخيرًا.. في شمال سيناء يسير الزمن بوقار، وتحمل الوجوه البسيطة من الكرامة والدفء ما يكفي لجعل الغريب واحدًا من أهل الدار، ولذلك حين غادرتها أدركتُ أن بعض الأماكن لا تُزار فحسب، بل تبقى في الذاكرة، تُهذِّب الإحساس، وتترك أثرًا نقيًّا يشبه أثر الضوء بعد الغروب.

فصل الخطاب:

«كلُّ رحلةٍ تنتهي بالطريق، إلا تلك التي تَمَسُّ القلب، فإنها تبدأ بعد الرحيل».

 

[email protected]