الأعمال المستحبة في عشر ذي الحجة
من المقرر شرعًا أن العشر الأُوَل من ذي الحجة من أعظم الأيام عند الله عَزَّ وَجَلَّ، والعمل الصالح فيها أفضل من غيرها، فهي فرصةٌ، حَقٌّ على باغي الخير الإقبالُ عليها واغتنامُ فضلها، ومنحةٌ ربانيةٌ ونفحةٌ صمدانيةٌ حُقَّ لأهل الإحسان التعرُّض لها، ففيها تتنزل الرحمات، وتُضاعَف الحسنات، ويُعفى عن السيئات، وتُغفَر الزلَّات من رب البريات، ومن ثم فيستحب لغير الحاج اغتنامُها، والحرصُ على التزود من الطاعات فيها، من نحو صيامٍ، وقيامٍ، وتَصَدُّقٍ على الفقراء والمحتاجين، وتلاوة قرآن، وغيرهم.
فضل العشر الأول من شهر ذي الحجة
يعد العشر الأوائل من ذي الحجة من أعظم المواسم المباركة، فقد أقسم المولى عَزَّ وَجَلَّ بها، وميَّزها، ورفع منزلتها، وعدَّ العمل الصالح فيها من أحب الأعمال إليه سبحانه، فقال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 1- 2]، "وهي عشر ذي الحجة في قول أكثر المفسرين"، كما في "التفسير الوسيط" للإمام الوَاحِدِي (4/ 478، ط. دار الكتب العلمية).
وقال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: 28]، و"الأيام المعلومات: هي أيام العشر من ذي الحجة عند الجمهور من المفسرين"، كما في "الجامع لأحكام القرآن" للإمام القُرْطُبِي (3/ 3، ط. دار الكتب المصرية).
وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ» يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» أخرجه الأئمة: أحمد، وأبو داود، وابن ماجه.
قال الإمام الحافظ ابن رجب في "لطائف المعارف" (ص: 262، ط. دار ابن حزم): [وقد دل حديث ابن عباس على مضاعفة جميع الأعمال الصالحة في العشر من غير استثناء شيء منها] اهـ.
وفي رواية أخرى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّحْمِيدِ، وَالتَّكْبِيرِ، وَالتَّهْلِيلِ» أخرجه الأئمة: أحمد، والبيهقي في "شعب الإيمان".
قال الإمام الحافظ ابن رجب في "لطائف المعارف" (ص: 260) عند ذكر الحديث الأول: [وقد دل هذا الحديث على أن العمل في أيامه أحب إلى الله من العمل في أيام الدنيا من غير استثناء شيء منها، وإذا كان أحب إلى الله فهو أفضل عنده] اهـ.
الأعمال المستحبة في عشر ذي الحجة
حرص السلف الصالح على اغتنام هذه الأوقات بالاجتهاد والإكثار من العبادة فيها، فعن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه كان "إذا دخل أيام العشر اجتهد اجتهادًا شديدًا حتى ما يكاد يقدر عليه" أخرجه الإمامان: الدارمي، والبيهقي في "شعب الإيمان".
ويتضح من الأحاديث السابقة أن لفظ "العمل الصالح" قد ورد بصيغة مطلقة، دون تقييدٍ أو تخصيصٍ، مما يدل على أنه يشمل جميع أنواع الطاعات والقربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه، من صومٍ، وصلاةٍ، وذِكْرٍ، واستغفارٍ، وتسبيحٍ، وتهليلٍ، وتكبيرٍ، وصلاةٍ وسلامٍ على النبي الأمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين، وتَصَدُّقٍ، وتلاوة قرآن، واستماعٍ إليه وإنصاتٍ، ودعاءٍ، وإطعامٍ، ونحوها من الطاعات.
قال الإمام الحافظ ابن حَجَرٍ العَسْقَلَانِي في "فتح الباري" (2/ 460، ط. دار المعرفة): [والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة؛ لمكان اجتماع أمَّهات العبادة فيه، وهي: الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره] اهـ.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض