إنذار صحى جديد..
«هانتا».. القاتل الصامت
خبراء: ارتفاع معدل الوفيات أهم الأخطار.. والوقاية خير من العلاج
أعراضه تشبه الإنفلونزا ويصيب الرئتين وينتهى بفشل تنفسى
بينما يلتقط العالم أنفاسه بعد أزمة كورونا, عادت المخاوف الوبائية لتطل من جديد من قلب المحيط الأطلسى, بعد أن تحولت سفينة سياحية إلى بؤرة عزل صحى إثر الاشتباه فى تفشى فيروس «هانتا» بين عدد من الركاب, وسط تقارير عن إصابات ووفيات أعادت إلى الواجهة حالة القلق القديمة: هل ما زال العالم معرضاً لموجات وبائية صامتة قادرة على الانتشار دون إنذار?
ومع أن فيروس «هانتا» ليس مستحدثاً, فإنه يعد من أخطر الفيروسات المرتبطة بالقوارض, نظراً لارتفاع معدلات الوفاة فى بعض سلالاته, وقدرته على التسبب فى مضاعفات حادة تصيب الرئتين أو الكلى, وينتقل هذا الفيروس عبر استنشاق هواء ملوث بإفرازات القوارض داخل أماكن مغلقة, ما يجعل بيئات مثل السفن والمخازن والأسواق أكثر عرضة لانتشاره, خاصة مع صعوبة اكتشافه فى مراحله الأولى لتشابه أعراضه مع الإنفلونزا.
وفى هذا السياق, أكدت وزارة الصحة والسكان فى بيان لها أنها تقوم بمتابعة الموقف الوبائى العالمى لفيروس «هانتا», مشددة على أن الوضع الصحى داخل مصر مستقر تماماً ولا توجد أى حالات إصابة مؤكدة, مع استمرار عمل منظومة الترصد الوبائى بكفاءة فى جميع المنافذ والمطارات والموانئ, بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية. كما أوضحت الوزارة أن انتقال الفيروس بين البشر يظل محدوداً ونادراً للغاية, داعية إلى عدم الانسياق وراء الشائعات والاعتماد على البيانات الرسمية فقط.
وبين تطورات القلق العالمى والتأكيدات الرسمية, تبقى الصورة العلمية للفيروس ودرجات خطورته وطرق انتقاله مرهونة بما أوضحه الخبراء والمتخصصون, الذين قدموا قراءة أدق لطبيعة “هانتا” وتطوراته ومخاطر انتشاره, وهو ما تعكسه التصريحات الطبية التالية.
عودةللواجهة
وكشف الدكتور إسلام عنان، دكتور اقتصاديات الصحة وعلم انتشار الأوبئة الدوائى لـ«الوفد»، إن الجدل العالمى المثار حالياً حول فيروس هانتا، أعاد المخاوف من احتمال تحول بعض الفيروسات الحيوانية إلى تهديدات وبائية مستقبلية، موضحاً أن الفيروس ليس جديداً لكنه يصنف ضمن الفيروسات عالية الخطورة ذات معدلات الوفاة المرتفعة.
وأوضح أن تاريخ الفيروس يعود إلى خمسينيات القرن الماضى خلال الحرب الكورية، حين ظهرت حالات حمى حادة ونزيف وفشل كلوى بين الجنود دون تفسير طبى لسنوات، حتى تم عزل الفيروس عام 1978 فى كوريا الجنوبية بالقرب من نهر «هانتان»، ومن هنا جاءت تسميته.
وأضاف أن نقطة التحول الكبرى كانت عام 1993 فى الولايات المتحدة، بعد تسجيل وفيات مفاجئة بين شباب أصحاء نتيجة فشل تنفسى حاد، ليتم اكتشاف سلالة «سين نومبرى»، التى تعد من أخطر سلالات الفيروس، حيث وصلت معدلات الوفاة فيها إلى نحو 52%.
وأشار إلى أنه فى عام 1995 ظهر نوع آخر منه وهو فيروس «أنديز» الذى انتشر فى أمريكا الجنوبية، الذى مثل تحولاً مهماً لأنه أظهر قدرة على الانتقال من إنسان لآخر، بعد أن كانت جميع السلالات السابقة تنتقل فقط من القوارض إلى البشر، ما أثار قلقاً عالمياً واسعاً.
وأكد أن الفيروس ينتقل أساساً عبر استنشاق هواء ملوث بفضلات القوارض أو بولها أو لعابها بعد جفافها وتحولها لجزيئات دقيقة، وهو ما يجعل السفن والمخازن والأماكن المغلقة بيئات عالية الخطورة عند وجود تلوث بالقوارض.
ولفت إلى أن سلالات الفيروس تختلف جغرافياً؛ فالسلالات فى آسيا وأوروبا غالباً تصيب الكلى وتسبب نزيفاً وفشلاً كلوياً، بينما سلالات الأمريكتين تستهدف الجهاز التنفسى وتؤدى إلى فشل رئوى سريع وهو الأخطر.
وأوضح أن بيانات 2025 فى الأمريكتين سجلت نحو 230 إصابة وقرابة 60 وفاة بنسبة تجاوزت 26%، بينما وصلت النسبة فى بعض مناطق أمريكا الجنوبية إلى نحو 50%، مقارنة بفيروسات تنفسية أخرى أقل شدة مثل كوفيد-19.
وأضاف أن خطر تحول الفيروس إلى وباء عالمى ما زال منخفضاً لعدم وجود انتشار مجتمعى واسع، إلا أن هناك تحذيرات من أن التغيرات المناخية وحركة القوارض قد تسهم فى ظهوره فى بيئات جديدة.
وأشار إلى أن دراسة حديثة صنفت فيروس هانتا ضمن الفيروسات ذات «القابلية الوبائية المستقبلية» نظراً لقدرته على التحور وارتفاع معدل الوفاة ووجود سلالات قد تنتقل بين البشر.
وأكد أنه لا يوجد حتى الآن علاج نوعى أو لقاح معتمد، حيث يعتمد العلاج على الرعاية الداعمة، بينما لا تزال أربعة لقاحات قيد التطوير عالمياً، بعضها فى مراحل التجارب السريرية الأولى والثانية.
وشدد على أن الوقاية هى الأساس، خاصة فى السفن والمخازن والمناطق الزراعية، من خلال مكافحة القوارض، والتعامل الأمن مع الفضلات، واستخدام المطهرات قبل التنظيف، مع تأمين أماكن تخزين الغذاء.
واختتم بأن أعراض الفيروس تشبه أمراضاً تنفسية أخرى مثل الحمى وضيق التنفس والإجهاد، ولا يمكن تأكيد الإصابة إل ا بالفحوصات الطبية، خاصة لدى من تعرضوا لبيئات ملوثة بالقوارض أو عادوا من مناطق ينتشر بها الفيروس.
استشارىمناعة يحذر
وعن مخاطر العدوى قال الدكتور أمجد الحداد، استشارى الحساسية والمناعة، فى حديثه لـ«الوفد»، إن خطورة العدوى تكمن فى أن الفيروس يمكن أن يلتصق بجزيئات الغبار داخل الاماكن المغلقة أو غير النظيفة، ليتم استنشاقه أو ملامسته، ومن ثم يصل إلى الجهاز التنفسى للإنسان.
وأشار إلى أن أحد أخطر مضاعفات هذا الفيروس هو ما يعرف بـ«متلازمة هانتا الرئوية»، وهى حالة تنفسية حادة تبدأ بارتفاع شديد فى درجة الحرارة وآلام فى العضلات، ثم تتطور إلى أعراض خطيرة مثل السعال الحاد، وصعوبة شديدة فى التنفس، وارتشاح على الرئة، وقد تصل إلى فشل تنفسى.
وأضاف أن خطورة الإصابة تزداد لدى مرضى الحساسية والربو، لأن الجهاز التنفسى لديهم يكون أكثر حساسية، ما يجعل تطور الأعراض أسرع وأكثر شدة، وقد تصل فى بعض الحالات إلى مضاعفات تهدد الحياة.
ولفت إلى أنه من أبرز العلامات التى تستدعى التدخل الطبى العاجل: تسارع التنفس، انخفاض الأكسجين فى الدم، زرقة الشفتين أو الجلد، السعال الشديد، وارتفاع الحرارة مع صعوبة واضحة فى التنفس، مؤكداً ضرورة التوجه الفورى للمستشفى عند ظهورها.
وأكد أن العلاج يعتمد بشكل أساسى على الرعاية الداعمة داخل المستشفيات، مثل الأكسجين وتنظيم السوائل وخفض الحرارة والدعم التنفسى، مع عدم وجود علاج نوعى أو لقاح معتمد حتى الآن.
وشدد على أن الوقاية هى خط الدفاع الأول، عبر مكافحة القوارض، وتحسين النظافة العامة والتهوية الجيدة، وتجنب ملامسة الأسطح الملوثة، وغسل اليدين باستمرار، واستخدام الكمامات عند الاشتباه فى بيئات ملوثة.
واختتم حديثه مؤكداً أن السيطرة على الفيروس تعتمد على محورين أساسيين هما: القضاء على القوارض، ورفع الوعى بالسلوكيات الوقائية، خاصة فى البيئات الأكثر عرضة للتلوث.
التغذية السليمة والنظافة خط الدفاع الأول
بدورها، قالت الدكتورة نهلة عبدالوهاب، استشارى البكتيريا والمناعة والتغذية الحيوية، ورئيس قسم البكتيريا بجامعة القاهرة لـ«الوفد»، إن فيروس هانتا ليس فيروساً مستحدثاً كما يعتقد البعض، وهو يرتبط بشكل أساسى بوجود القوارض حيث تنتقل العدوى من خلالها.
وأضافت أن الإصابة تحدث غالباً نتيجة التعرض لإفرازات القوارض أو استنشاق الغبار الملوث بفضلاتها، مؤكدة أن الخطر الحقيقى لا يكمن فى الفيروس نفسه بقدر ما يرتبط بطرق التعرض له داخل البيئات غير النظيفة أو التى تنتشر بها القوارض.
وشددت على أن التعامل مع هذا الفيروس يعتمد فى الأساس على الوقاية وليس العلاج، موضحة أن تجنب أماكن تواجد القوارض، والحد من التعرض لأى ملوثات ناتجة عنها، يمثلان خط الدفاع الأول للوقاية من العدوى.
وأشارت إلى أهمية رفع مستوى الوعى الصحى داخل المنازل وأماكن العمل، خاصة فيما يتعلق بالنظافة العامة والتخلص من مصادر جذب القوارض، مؤكدة أن الوقاية البيئية هى العامل الأكثر تأثيراً فى الحد من انتشار المرض.
وفى السياق الصحى العام، أكدت ضرورة الاهتمام بالتغذية السليمة والطبيعية لدعم جهاز المناعة، إلى جانب متابعة أصحاب الأمراض المزمنة لحالتهم الصحية بشكل منتظم، وعدم التوقف عن العلاج أو المتابعة الطبية مع الطبيب المختص، وإجراء الفحوصات الدورية اللازمة.
كما شددت على أهمية الرعاية الصحية للفئات الأكثر عرضة للمخاطر مثل كبار السن والأطفال، نظراً لضعف المناعة لديهم مقارنة بباقى الفئات، ما يستدعى اهتماماً أكبر بالإجراءات الوقائية والتغذوية.
الحلولالوقائية
وفى السياق ذاته، قال الدكتور حمدى عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية وخبير استشارى البلديات الدولية إن ارتفاع درجات الحرارة مع دخول فصل الصيف يسهم فى زيادة انتشار القوارض والحشرات، خاصة فى المناطق التى تعانى من تراكم القمامة وضعف خدمات النظافة والصرف الصحى، مشيراً إلى وجود ارتباط مباشر بين سوء إدارة المخلفات وارتفاع معدلات الأمراض وفق تقارير منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة.
وأوضح أن فيروس هانتا من الأمراض المرتبطة بالقوارض، وينتقل غالباً عبر استنشاق هواء ملوث بفضلاتها، مؤكداً أن الوقاية تعتمد على النظافة العامة، والإدارة السليمة للمخلفات، وتشديد الرقابة على الأسواق ومخازن الأغذية للحد من تكاثر القوارض.
وأضاف أن خطط المحليات يجب أن تشمل تكثيف حملات النظافة، ورفع القمامة بانتظام، ورش البالوعات، ومكافحة القوارض بالتنسيق مع الصحة والطب البيطرى، إلى جانب المرور على الأسواق والمخابز والمطاعم لضبط أى ممارسات غير آمنة.
وأشار إلى أن ضعف البنية التحتية للنظافة والصرف الصحى يؤدى لزيادة الأمراض المرتبطة بالتلوث، موضحاً أن تحسين خدمات النظافة أصبح عنصراً أساسياً فى الوقاية الصحية، خاصة للأطفال وكبار السن.
وأكد ضرورة سرعة استجابة المحليات لشكاوى المواطنين، وتفعيل الخطوط الساخنة والتطبيقات الإلكترونية، مع التدخل خلال 24 ساعة فى المناطق المزدحمة، لأن التأخير يفاقم المشكلة.
وشدد على أن مكافحة القوارض لا تعتمد فقط على المبيدات، بل تبدأ من إدارة المخلفات وغلق المنافذ المفتوحة والرقابة على الأسواق، إلى جانب التوعية المجتمعية.
واختتم بأن القوارض تنقل أكثر من 35 مرضاً معدياً، من بينها فيروس هانتا والطاعون والسالمونيلا، ما يجعل مكافحتها قضية صحة عامة مرتبطة بالنظافة وإدارة البيئة.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض