خارج المقصورة
أن تأتى متأخرًا خيرٌ من ألا تأتى أبدًا.. حكمة قد تبدو بسيطة فى كلماتها، لكنها عميقة فى معناها، لأنها تؤكد أن الوصول إلى الهدف بعد سنوات من التأجيل، أفضل كثيرًا من بقائه حبيس الأدراج دون تنفيذ. وربما تنطبق هذه الحكمة بدقة على ما قامت به وحدة الشركات المملوكة للدولة، التى أعادت رسم فلسفة الحوكمة والإدارة داخل الشركات الحكومية، سواء المملوكة بالكامل للدولة أو التى تمتلك بها حصصًا مؤثرة.
مع صدور القانون رقم 170 لسنة 2025، لم يعد المشهد داخل شركات الدولة كما كان. نحن نتحدث عن مئات الشركات، التى تتراوح تقديراتها الأولية بين 600 و800 شركة، ظلت لسنوات طويلة تعانى من غياب الرؤية، وتداخل الاختصاصات، وضعف معايير الإدارة والرقابة، حتى جاءت الوحدة لتفتح بابًا جديدًا نحو إعادة الهيكلة والانضباط المؤسسى.
الضوابط والمعايير التى وضعتها الوحدة فيما يتعلق بالحوكمة والإدارة واختيار أعضاء مجالس الإدارات، تمثل نقطة التحول الأهم فى هذا الملف، خاصة أن التجربة العملية أثبتت على مدار سنوات طويلة أن كثيرًا من الاختيارات داخل تلك الشركات لم تكن دائمًا قائمة على الكفاءة أو الخبرة، بل خضعت أحيانًا لعلاقات المصالح والمجاملات، بعيدًا عن المعايير العلمية والفكر الإدارى القادر على انتشال الشركات من دوائر الخسائر وضعف الأداء المالى والإدارى، فتحول الأمر إلى «ميغة».
فى الحقيقة، فإن ملف اختيار أعضاء مجالس الإدارات يُعد أخطر وأهم الملفات، لأن الإدارة المحترفة هى نقطة البداية لأى إصلاح حقيقى. ولهذا جاء قرار رئيس مجلس الوزراء، المنشور بالجريدة الرسمية، ليضع معايير واضحة ومحددة لاختيار ممثلى الدولة فى الشركات، ترتكز على الخبرة العلمية والمهنية المرتبطة بطبيعة نشاط الشركة، والقدرة على قراءة القوائم والتقارير المالية وتحليلها، بما يضمن وجود كوادر قادرة على اتخاذ القرار وإدارة الأصول بكفاءة.
الواقع يؤكد أن عددًا كبيرًا من هذه الشركات يعانى من مشكلات متراكمة فى الإدارات المالية والفنية والإدارية، وهو ما انعكس على الأداء العام، بل وخلق فى بعض الأحيان حالة من الرفض غير المبرر تجاه أى محاولات لطرح الشركات لمستثمر استراتيجى أو قيدها بالبورصة، رغم أن مثل هذه الخطوات قد تكون طوق نجاة حقيقيًا لإعادة إحياء تلك الكيانات وتعظيم قيمتها الاقتصادية.
التحول الكبير المتوقع داخل الشركات المملوكة للدولة لن يظهر بين ليلة وضحاها، لكنه سيبدأ تدريجيًا مع تحسن الأداء، وإعلان قوائم مالية أكثر شفافية، وتحقيق إيرادات وأرباح تعكس وجود إدارة أكثر كفاءة وانضباطًا.
لا يمكن الحديث عن هذا التحول دون الإشارة إلى الدور الكبير الذى لعبه الدكتور هاشم السيد، مساعد رئيس الوزراء والرئيس التنفيذى لوحدة الشركات المملوكة للدولة، والذى عمل لفترة طويلة على هذا الملف المعقد حتى خرج إلى النور، فى خطوة تبعث على التفاؤل بأن القادم قد يحمل مرحلة مختلفة لهذه الشركات، بما يخدم الاقتصاد الوطنى ويعزز القدرة التنافسية للدولة.
يا سادة.. التحية والتقدير واجبة لكل من يعمل بإخلاص من أجل هذا البلد، ولكل من يسعى إلى تغيير حقيقى قائم على الكفاءة والحوكمة والانضباط، ومن بينهم الدكتور هاشم السيد، الذى نجح فى وضع حجر الأساس لمسار جديد داخل الشركات الحكومية، عنوانه الإدارة الرشيدة، والحوكمة، وصناعة القيمة الحقيقية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض