من يوميات كاتب في الريف، في الأرياف، لم يكن الليل مجرد نهاية ليوم طويل، بل كان عالمًا كاملًا يبدأ مع أذان المغرب.
كانت القرية تُطفئ نفسها بنفسها؛ لا كهرباء، لا طرق معبّدة، ولا أضواء تقاوم العتمة. يسقط الظلام دفعة واحدة، كثيفًا وصامتًا، كأنه كائن قديم يعرف المكان أكثر منا، ويتسلل إلى البيوت والحقول بلا استئذان.
البيوت الطينية لم تكن مجرد مساكن، بل امتدادًا للأرض نفسها. جدرانها سمراء مشققة، تحفظ حرارة الشمس وأسرار الساكنين، وسقوفها واطئة كأنها تنحني للزمن. تحيط بها أشجار الجميز والكافور والنخيل، لا لتمنح الظل فقط، بل لتغذّي الخيال وتضاعف الإحساس بالغموض، خصوصًا حين تهبّ الرياح ليلًا فتختلط الأصوات بالظلال.
في أطراف القرية، كان هناك دائمًا بيت بلا اسم.
بيت لا يُنسب لعائلة، ولا يُذكر إلا همسًا. قيل إن ساكنيه رحلوا في ليلة غامضة، وقيل إن الجن اتخذوه مقامًا بعد أن هجره البشر. لم نره من الداخل، لكن حضوره كان طاغيًا، كأنه عين مفتوحة تراقب القرية ليلًا، وتذكّر أهلها بما لا يريدون الاقتراب منه.
بعد العشاء، تبدأ طقوس الريف غير المكتوبة.
تُشعل النار في الساحة، وتلتف الوجوه حولها؛ كبار أنهكهم العمل، وصغار تتسع عيونهم مع كل شرارة. هناك تُروى الحكايات. لا أحد يعترف بأنه يختلق، فكل قصة لها شاهد غائب، وكل خرافة حدثت “حقًّا” في زمن لا يمكن التحقق منه. كانت الحكاية جزءًا من النظام اليومي، تُقال لتفسير ما لا يُفسَّر، وللسيطرة على الخوف قبل أن يسيطر علينا.
العفاريت تظهر بأشكال مختلفة:
مرة في هيئة كلاب سوداء تجوب الطرقات،
ومرة في أصوات تنادي من بين الأشجار،
ومرة في امرأة بثياب بيضاء تمرّ قرب الترعة عند الغروب.
وكان البيت المهجور بطل كل الحكايات، نقطة التقاء الخوف بالمجهول، والواقع بالأسطورة.
نحن الأطفال كنا نضحك أحيانًا، ونتظاهر بالشجاعة، لكننا ليلًا نغلق الأبواب بإحكام، ونُخفي أقدامنا تحت الأغطية، ونحسب أنفاسنا إذا سمعنا حركة في الخارج. كان الخوف جزءًا من التربية، يُورَّث مثل الأرض، ويُحفظ مثل العادات. لم يكن الهدف إخافتنا بقدر ما كان حماية أرواحنا من عالم لا نفهمه، في زمن لم تكن فيه المعرفة متاحة، ولا الدولة حاضرة بما يكفي.
وهنا يتجاوز المشهد طابعه الطفولي، ليكشف دلالته الأعمق.
لم يكن ذلك الظلام مجرد حالة طبيعية فرضتها الجغرافيا، بل كان انعكاسًا لعلاقة تاريخية غير متوازنة بين الريف ومركز السلطة والمعرفة. ففي المساحات التي تأخرت عنها الدولة بخدماتها الأساسية، تقدّمت الثقافة الشفاهية لتؤدي دورها البديل؛ صارت الحكاية وسيلة تفسير، والخرافة أداة ضبط اجتماعي، والخوف نظامًا غير مكتوب لحماية الجماعة. لم يُقصَ الريف من التنمية فقط، بل أُقصي طويلًا من السرد الرسمي أيضًا، فاضطر إلى بناء ذاكرته الخاصة بلغته وأساطيره، محتفظًا بحكمة شعبية عميقة، لكنها مثقلة بالغياب والتهميش.
الظلام يومها لم يكن نقصًا في الضوء، بل وفرة في الخيال.
وكان الريف، ببساطته القاسية، يعرف كيف يخلق أساطيره ليمنح أبناءه معنى لما يعجز العقل عن فهمه، ويؤسس وعيًا جمعيًا تشكّل خارج الكتب والخطابات.
كبرنا، وجاءت الكهرباء، وشُقّت الطرق، واختفت مجالس النار، وسقطت معظم الحكايات في امتحان العلم. لكن شيئًا واحدًا لم يسقط: الذاكرة.
ذاكرة الليل الأول، والخوف الأول، والبيت الذي لم نسكنه أبدًا، لكنه سكننا جميعًا.
ربما لم تكن العفاريت حقيقية،
لكن المؤكد أن ذلك الليل صنع وعينا الأول، وعلّمنا أن الخوف ليس دائمًا ضعفًا، بل لغة قديمة اخترعها الريف ليحمي أبناءه حين غاب الضوء وغابت الدولة معًا.
في الأرياف، لم نكن نقرأ القصص…
كنا نعيش داخلها،
وحين غادرنا القرية، بقي الليل هناك، ينتظر من يتذكره.،،!!
يوميات كاتب في الريف
محمد سعد عبد اللطيف
كاتب وباحث مصري ،،،
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض