الراوى
«ليست كل الحكايات للتسلية… بعضها مرآة، نرى فيها ما لا نحب أن نراه»
ليست كل الحكايات صاخبة؛ بعضها يسير فى هدوء مهيب، كالنهر حين يمضى إلى مصبه دون أن يلتفت إلى ضجيج الضفاف.
حكايتنا اليوم عن رجل لم يصعد فجأة؛ بل ارتقى درجةً درجة، حتى إذا بلغ موضعه الجديد، لم يكن صعوده مفاجأةً لمن رأوا تعبه، بل كان إنجازا مستحقاً.
حين أعلن عن ترقيته، امتلأت الوجوه بفرح صادق من زملاء عرفوا إخلاصه، وأصدقاء شهدوا لياليه الطويلة، وأهل كانوا يدركون أن هذا اليوم آت لا محالة. كانت التهنئة هنا ليست مجاملة؛ بل اعترافاً ضمنياً بأن الجهد، مهما طال، لا يضيع.
لكن، كما لكل ضوء ظل، كان هناك من ضاقت صدورهم بهذا المشهد. لم يؤلمهم صعوده بقدر ما آلمهم انعكاسه عليهم؛ فبعض النفوس لا ترى نجاح الآخرين إلا مرآةً تكشف تقصيرها. وهنا يبدأ الصراع الصامت؛ كلمات مقتضبة، نظرات مشوبة، وأحاديث جانبية تحاك فى غياب صاحبها؛ لا لتنتقص منه، بل لتخفف عنهم وطأة ما يشعرون به.
الغريب أن بطل الحكاية لم يكن طرفاً فى هذا الصراع. لم يرد، ولم يبرر، ولم ينشغل حتى بمحاولة الفهم. كان ببساطة منشغلاً بعمله الذى أوصله إلى هنا. أدرك، ربما دون تنظير، أن الطريق إلى آلامام لا يمهد بالالتفات إلى الخلف. وأن الرد الحقيقى ليس فى الكلمات، بل فى الاستمرار.
فى زمن يكثر فيه الضجيج، يصبح التجاهل حكمة؛ والتغافل منهجا ليس عن ضعف، بل عن اختيار واع بعدم استهلاك الطاقة فى معارك لا تضيف، فهناك من يربح النقاش ويخسر الوقت، وهناك من يخسر الجدال ويكسب الطريق. وبطلنا اختار الطريق.
لا يعنى ذلك أنه لا يرى، أو لا يفهم؛ بل يعنى أنه يدرك ترتيب الأولويات. إن النجاح ليس محطةً للوقوف والتفاخر، بل هو مسئولية جديدة، واختبار مختلف. وكل دقيقة تهدر فى متابعة من يحقد، إنما تنتزع من مشروع كان يمكن أن يكبر.
وهكذا تستمر الحكاية؛ رجل يمضى، وآخرون يتوقفون عنده. هو ينظر إلى آلامام دائما، وهم يحدقون فيه. الفارق ليس فى الفرصة؛ بل فى زاوية النظر.
فى النهاية، لا تقاس قيمة الإنسان بعدد من صفقوا له، ولا بعدد من ضاقوا به؛ بل بقدرته على أن يظل ثابتاً على طريقه، غير مكترث بما لا يقدّم أو يؤخر؛ فبعض الانتصارات لا تحتاج إعلاناً، يكفيها أن تنجز فى صمت، وأن تترك أثرها يتحدث عنها.
فليست كل الحكايات للتسلية.. بعضها مرآة، نرى فيها أنفسنا: هل نحن ممن يفرح لنجاح غيره، أم ممن يضيق به؟ وهل نملك شجاعة التركيز على طريقنا، أم نهدر أعمارنا فى مراقبة طرق الآخرين؟
أستاذ الإعلام المساعد بكلية الآداب – جامعة المنصورة
[email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض