يأتى الاحتفال بـ عيد العمال كل عام ليعيد طرح الأسئلة المعتادة حول أوضاع الطبقة العاملة، ودورها فى التنمية وحقوقها المكتسبة. وهى أسئلة مشروعة وضرورية واستحضارها وبحثها مهم فى السعى لتحقيق التنمية المستدامة.
وفى تصورى فإنه لا يمكن تناول هذه المناسبة دون استحضار الدور التاريخى العظيم الذى لعبه حزب الوفد، باعتباره أحد أوائل القوى السياسية التى تبنّت مطالب العمال، وربطت بين العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطنى.
فللوفد دور عظيم فى مسيرة العدالة الاجتماعية من خلال إنشاء النقابات المهنية والعمالية، وتحسين شروط العمل، خاصة ما يخص ساعات العمل والأجور العادلة. وشهدت حكومات الوفد قبل 1952 اهتمامًا كبيرًا بتشريعات العمل واعترافًا متزايدًا بدور النقابات فى تنظيم العلاقة بين العمال وأصحاب الأعمال.
نقول ذلك لأن العالم اليوم يشهد تحولات اقتصادية متسارعة، تتسع فيها المنافسات لجذب الاستثمارات، ويرتبط الأداء دومًا بمدى إنتاجية ومهارة الكوادر العاملة، ولا يمكن جذب استثمارات كبرى لمشاريع ضخمة دون بيئة عمل نموذجية مستقرة، ومتوازنة، تتسم بالنزاهة والشفافية.
ولا شك أن علاقات العمل وبيئته من العناصر الأساسية المؤثرة فى مناخ الاستثمار فى أى دولة، ومن المعروف أن أى مستثمر مقبل على الاستثمار يسعى مسبقا لدراسة نظم العمل السائدة وتشريعاته قبل اتخاذ قرار بالاستثمار.
وفى رأيى فإن قيم وقواعد وأخلاقيات العمل فى مصر تحتاج إلى مراجعة شاملة، تبدأ أولًا من احترام حقوق العامل، وصاحب العمل على السواء من خلال الالتزام بالعلاقة التعاقدية بينهما، وتتضمن ضرورة وضع سياسة واضحة لإثابة الأكفاء وتوقيع الجزاء على المُقصرين. فضلًا عن تغيير القاعدة التقليدية للترقى داخل المؤسسات اعتمادًا على مبدأ الأقدمية، ليصبح مبدأ التفوق والتفرد والإجادة هو الأساس الحاكم للترقى أو شغل مراكز وظيفية أعلى.
أتصور أيضًا أن مفهوم ربط الأجر بالإنتاج يمثل قاعدة أساسية تتسق مع فكرة العدالة، وتمثل عنصرًا تحفيزًا حقيقيًا للساعين إلى زيادة الإنتاج وتجويده. فلا شك أن المساواة فى الأجر بين عامل وآخر اعتمادًا على سنوات الخبرة دون نظر لناتج عمل كل منهما قد يصيب بيئة العمل بالجمود. ومن الضرورى أيضًا ترسيخ فكرة استمرارية التدريب الدائم ورفع مستوى كفاءة الأفراد فى كل مؤسسة باعتباره سمة ضرورية للعمل، ومثل هذا التدريب هو مسئولية مشتركة لصاحب العمل والعامل معًا، لأن نتاجه سيصب فى مصلحة كليهما، وسيسهم فى تحسين بيئة العمل ككل.
ومن قبل، ومن بعد، فإنه ينبغى استعادة احترام العمل فى حد ذاته والتأكيد أنه لا يوجد عمل معيب، ما دام لا يتضمن خرقًا للقانون، أو إساءة للإنسان، ومن ثم استعادة روح الإقدام على ممارسة أعمال يحجم عنها بعض الشباب، لأنها يدوية أو تحتمل نظرة ازدراء مجتمعية. وليس سرًا أن بعض المنشآت فى مصر تستعين بعمالة أجنبية لأنها لا تجد عمالة مصرية تقبل أداء هذه الأعمال.
فى النهاية، يظل عيد العمال مناسبة لا للاحتفال فقط، بل للتقييم والمراجعة. وبينما نستعيد صفحات مضيئة من تاريخنا السياسى، يبقى التحدى الحقيقى هو تحويل هذا الإرث إلى سياسات معاصرة، تضمن كرامة العامل، وتفتح فى الوقت ذاته آفاقًا رحبة لجذب المزيد من الاستثمارات ومن ثم تحقيق نمو حقيقي.
وسلامٌ على الأمة المصرية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض