الإهانة تتكرر والضحية يدفع الثمن
«التجريس» جريمة فى الفضاء الإلكترونى
فرد أمن كمباوند التجمع وشاب بنها ليسا آخر الضحايا
النيابة تحذر: تداول المقاطع الجنائية على السوشيال يهدد العدالة ويقلب المجتمع رأساً على عقب
ألم بلا نهاية: استشارى نفسى يكشف الكابوس النفسى لتداول الصور والفيديوهات على الأسرة
خبراء: الترند لا يرحم ويعيد إنتاج القيم الخاطئة مع غياب الوعى والرقابة
لم تعد الفضيحة فى زمن المنصات الرقمية خبراً يروى ثم ينسى، بل أصبحت مشهداً يعاد بثه بلا نهاية، ضغطة زر واحدة تكفى لتحويل لحظة غضب عابرة إلى عرض مفتوح أمام ملايين العيون، حيث تتشكل الأحكام سريعاً، وتتوارى التفاصيل، ويبقى الأثر النفسى يلاحق الضحايا وأسرهم طويلاً، الكاميرا لم تعد مجرد وسيلة توثيق، بل أصبحت أداة تضخيم، تنقل الواقعة من نطاقها المحدود إلى ساحة عامة لا ترحم.
خلال الأيام الماضية، تصدر مقطع اعتداء أحد سكان كمبوند بالتجمع الخامس على فرد أمن إدارى المشهد، بعد أن وثقت الهواتف مشادة تحولت إلى سب وإهانة أمام المارة لم يتوقف الأمر عند حدود الواقعة، بل تحول الفيديو إلى محاكمة جماعية، وأصبحت صورة الضحية تتكرر على الشاشات، فيما تعيش أسرته لحظة الإهانة وكأنها تتجدد مع كل إعادة نشر.
المشهد ذاته تكرر من قبل فى قرية ميت عاصم ببنها، حيث أجبر شاب على ارتداء ملابس نسائية والطواف به فى الشارع بعد الاعتداء عليه، فى واقعة وثقتها الهواتف وانتشرت سريعاً، هنا لم يكن الاعتداء الجسدى وحده هو الجرح، بل كان توثيقه ونشره هو ما ضاعف قسوته، وحول الإهانة من لحظة عابرة إلى مشهد دائم الحضور، يترك أثراً نفسياً يلاحق الضحية وأسرته.
ورغم أن نشر هذه الفيديوهات كان سبباً فى عقاب المتهمين وتحرك الأجهزة التنفيذية بسرعة للقبض عليهم، إلا أنها فى الوقت نفسه تسببت فى فضيحة كبرى للمجنى عليهم، لذلك أصدرت النيابة العامة تحذيراً صارماً للمواطنين، مؤكدة ضرورة التعامل المسئول مع مقاطع الفيديو والصور التى تتضمن وقائع جنائية، وحذرت من تداول هذه المواد عبر منصات التواصل، مشددة على أن أى نشر خارج القنوات الرسمية المخصصة لتلقيها يعرض المتورط للمساءلة القانونية.
وأكدت أن تداول المقاطع بشكل غير قانونى يلحق ضرراً بالمجتمع وقيمه، ويؤثر على سير التحقيقات وتحقيق العدالة، داعية الجميع إلى التعاون عبر القنوات الرسمية لضمان حماية المجتمع وصون الأمن وترسيخ سيادة القانون.
ولعل هذا التحذير وجد صدى واسعاً بين المواطنين الذين يعبرون عن قلقهم من انتشار مثل هذه المواد على الشبكات الرقمية، وأجمع عدد منهم على أن تداول الصور والفيديوهات المثيرة للجدل يولد شعوراً بعدم الأمان النفسى، ويجعل أى واقعة بسيطة تتحول بسرعة إلى مادة تلاحق صاحبها فى كل مكان.
التأثير النفسى على الضحايا
من جانبها، أوضحت الدكتورة نادية جمال، استشارى العلاقات الأسرية والإرشاد النفسى أن تأثير تداول الصور أو مقاطع الفيديو المرتبطة بالوقائع الحساسة على الحالة النفسية للشخص المتضرر يختلف من فرد إلى آخر تبعاً لطبيعة شخصيته والسياق الاجتماعى الذى نشأ فيه موضحة أن هناك شخصيات يهيمن عليها الخوف من نظرة المجتمع أو الإشارات إليها بوصفها محل حديث الآخرين ما يولد لديها ضغطاً نفسياً حاداً وشعوراً بالانكسار الداخلى بينما تركز شخصيات أخرى على صورتها الذهنية أمام الناس أكثر من تركيزها على حجم الضرر ذاته وقد تتعرض لأذى نفسى بالغ لكنها تميل إلى الكتمان ومحاولة إخفاء ما حدث حتى لا ينكشف الأمر أمام المحيطين بها.
وأضافت أن هناك نمطاً مختلفاً من الشخصيات يتمتع بقدر أكبر من الوعى والقوة لا ينشغل بفكرة الوصمة المجتمعية بقدر ما ينشغل باسترداد حقه، هذا النمط يرى أن المواجهة الصريحة واللجوء إلى المسارات القانونية يمثلان الطريق السليم لرد الاعتبار ولا يتعامل مع نفسه باعتباره موصوماً بل يعتبر أن الوصمة انعكاس لثقافة تقليدية لم تعد منسجمة مع طبيعة المجتمع المعاصر ولذلك يتحرك بثقة ووضوح ويدخل فى نقاشات علنية دون شعور بالخجل لأنه يدرك يقينا أنه تعرض لضرر ولم يكن طرفاً مخطئاً.
وأوضحت أن التأثير لا يقتصر على الشخص المتضرر وحده، بل يمتد إلى الأسرة المحيطة به، مؤكدة أن ردود أفعال الأسر تتباين وفقاً لمستوى الوعى والثقافة السائدة داخل كل بيت، فهناك أسر تتعامل مع الواقعة باعتبارها ضرراً وقع على أحد أفرادها فتقدم دعماً نفسياً ومعنوياً كاملاً ولا تلجأ إلى الاختباء أو الشعور بالخجل، بل تتعامل مع الأمر بصورة طبيعية ومتفهمة، بينما قد تتأثر أسر أخرى إذا ظلت أسيرة مفاهيم تقليدية تربط بين الحادث وفكرة العار، الأمر الذى يضاعف من حجم الضغط النفسى الواقع على الضحية.
وأشارت إلى أن المجتمع شهد خلال السنوات الأخيرة تحولاً ملحوظاً بفعل انتشار التعليم ووسائل التواصل الاجتماعى وانخراط الفتيات فى سوق العمل وهو ما أسهم فى تعديل كثير من المفاهيم القديمة حتى فى المناطق الريفية والصعيد، وأوجد قدراً أكبر من الوعى بأهمية مساندة الضحية بدلاً من إصدار الأحكام عليها أو تحميلها المسئولية.
وفيما يتعلق بدوافع نشر الفضائح والمحتوى المثير للجدل عبر مواقع التواصل الاجتماعى أكدت أن الدافع الأول يتمثل فى السعى وراء الترند، وتحقيق أكبر قدر من التفاعل، إلى جانب الانشغال المفرط بالسوشيال ميديا، والرغبة فى الإحساس بامتلاك دور أو تأثير فى الحدث، كما أن بعض الأشخاص يبررون النشر بدافع توثيق الواقعة أو مناصرة الضحية أو المطالبة بمحاسبة الجانى فى حين ينجرف آخرون خلف موجة المشاركة دون إدراك لخطورة إعادة النشر وما يترتب عليها من آثار نفسية واجتماعية ممتدة.
واختتمت حديثها بتأكيد أن المسلسلات والأفلام إلى جانب السوشيال ميديا تؤدى دوراً مؤثراً فى تشكيل الوعى الجمعى لأن تكرار عرض فكرة بعينها بصور متعددة يرسخها فى الأذهان ويمنحها حضوراً متزايداً فى التفكير والسلوك، ومع كثافة التعرض قد يحدث نوع من التطبيع مع بعض المشاهد أو الاقتناع بها، بما ينعكس على طريقة التفكير والسلوك المجتمعى، ومن ثم فإن مواجهة هذه الظواهر لا تقتصر على الإجراءات القانونية الرادعة، بل تتطلب أيضاً وعياً أسرياً وثقافياً ودعماً نفسياً حقيقياً يسهم فى حماية الضحايا والحد من آثار الوصمة وتعزيز مسارات التعافى النفسى والاجتماعى.
محاكمة جماهيرية
من جانبه، أوضح الدكتور محمد السيد العزازى، باحث دكتوراه بجامعة الأزهر، أن المجتمع يعيش حالة من الانكشاف غير المسبوق فى ظل سطوة الترند وهيمنة المنصات الرقمية، حيث لم تعد الوقائع الفردية محصورة فى زمانها أو مكانها بل تتحول بضغطة زر إلى محاكمة جماهيرية مفتوحة تتجاوز فى كثير من الأحيان حدود العدل والإنصاف، مشيراً إلى أن الإشكالية لم تعد مرتبطة بسرعة النشر بقدر ارتباطها بميزان القيم الذى يضبط هذا النشر وبموقع الدين والأخلاق من حالة الانفلات فى تداول الفضائح.
وأوضح أن الإسلام أسس منظومته الأخلاقية على صيانة الكرامة الإنسانية وجعل الستر قيمة مركزية لا يجوز التفريط فيها بدافع الفضول أو الرغبة فى التشهير، مستشهداً بقوله تعالى: «إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا لهم عذاب أليم»، وبقوله تعالى «ولا تجسسوا»، وقوله سبحانه «ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد» صدق الله العظيم، مؤكداً أن هذه النصوص ترسخ مبدأ تحريم تتبع العورات وتجريم نشرها وتحمل الإنسان مسئولية كلمته وكل ما يتصل بها من صورة أو مقطع أو منشور.
وأشار إلى أن المسئولية لا تقف عند المصور أو الناشر الأول بل تمتد إلى كل من يعيد النشر أو يعلق أو يتفاعل لأن كل مشاركة تمثل توسيعاً لدائرة الأذى، وكل تعليق ساخر يسهم فى ترسيخ الضرر داخل الوعى الجمعى، موضحاً أن المشاركة الرقمية ليست فعلاً تقنياً عابراً بل موقفاً قيمياً يشارك فى تشكيل رأى عام قد يقصى إنساناً أو يوصمه أو يطارده بخطأ لحظى لسنوات، وهو ما يؤدى إلى تآكل الثقة داخل المجتمع وانتشار الخوف من الفضيحة بدلاً من الإحساس بالأمان.
وأكد أن الإعلام يقف أمام مسئولية دقيقة بين واجب الإخبار وحرمة الخصوصية، فالمهنية تقتضى معالجة القضايا بميزان العدل دون كشف هويات لا ضرورة لكشفها ودون تحويل الألم الإنسانى إلى مادة مثيرة، مشدداً على أن الرسالة الإعلامية الرشيدة لا تغذى الفضول بل تضبطه، ولا توسع الجرح بل تسعى إلى معالجته، أما حين تطغى الإثارة على المسئولية فإن المنصات تتحول إلى أدوات تضخيم بدلاً من أن تكون أدوات وعى وإصلاح.
وأضاف أن بعض الأعمال الدرامية قد تسهم فى ترسيخ ثقافة التلصص حين تجعل الفضيحة محور التشويق الرئيسى، وهو ما يؤدى إلى تطبيع استهلاك خصوصيات الآخرين داخل الوعى العام، مؤكداً أن الفن بما يملكه من تأثير واسع يظل مطالباً بمراعاة رسالته الأخلاقية والأثر التربوى لما يقدمه للجمهور.
وشدد على أن الحد من توسيع دائرة الفضائح يتطلب وعياً فردياً وجماعياً يقوم على التثبت قبل التداول، واستحضار قيمة الستر ومساءلة الضمير قبل الضغط على زر المشاركة، وتغليب المصلحة العامة الحقيقية على نزعة الفضول العابر، لأن المجتمع الذى تسوده ثقافة الستر يكون أكثر أمناً ورحمة فى حين أن المجتمع الذى يتغذى على الفضائح يستهلك أبناءه تباعاً.
وفى قراءته لواقعة إهانة وضرب شاب بنها أوضح أن ما جرى يكشف عن أزمة فى الوعى الأخلاقى قبل أن يكون حادثاً فردياً، مؤكداً أن إكراه إنسان على فعل مهين أو الاعتداء عليه بدنياً ثم تصوير ذلك ونشره يمثل انتهاكاً صريحاً لكرامته الإنسانية، مستشهداً بقوله تعالى «ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين» وقوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم» مبيناً أن الاعتداء يشمل الأذى الجسدى والمعنوى معاً بما فى ذلك الإهانة والسخرية والتشهير.
وأشار إلى أن إطلاق مسميات مخففة مثل مزاح أو مقلب لا يغير من جوهر الفعل لأن معيار الأخلاق يقاس بالأثر والرضا فإذا انتفى الرضا وحضر الإكراه تحقق العدوان، وانتقل الفعل من دائرة الدعابة إلى دائرة الجريمة، لافتاً إلى أن الجريمة تتضاعف حين يقترن الاعتداء بالنشر، فيتحول الأذى إلى فعل مركب يجمع بين الواقع المادى والفضاء الرقمى المفتوح الذى يخلد الإهانة ويطيل أمدها.
وأوضح أن الأثر النفسى والاجتماعى لمثل هذه الوقائع قد يمتد لسنوات إذ يتحول الضحية إلى عنوان مختزل فى مقطع متداول بما يؤثر فى حياته الاجتماعية والمهنية، مؤكداً أن المجتمع مطالب بإدانة صريحة لكل صور الإهانة والاعتداء ورفض تحويل الألم إلى مادة للتندر أو التشفى، وترسيخ خطاب يحفظ الكرامة ويصون الإنسان، لأن اختيار المجتمع بين أن يكون حامياً للضعيف أو مروجاً لإذلاله يظل فى جوهره اختياراً أخلاقياً يعكس حقيقته وقيمه.
انتقال العدوى
من ناحية أخرى أكد الدكتور على عبدالمنعم حسين أستاذ المناهج وطرق التدريس وتكنولوجيا التعليم بكلية التربية جامعة الزقازيق أن السلوكيات عبر الشبكات الاجتماعية تنتشر بآلية تشبه انتقال العدوى، حيث يملك الفضاء الرقمى قدرة هائلة على تسريع تداول أى فكرة سواء كانت إيجابية أو سلبية تبعاً لحجم التفاعل معها، مؤكداً أن بعض المحتويات مثل الميمات الساخرة قد تولد تحيزاً إدراكياً يؤثر فى فهم المتلقى للحدث وتفسيره دون أن يكون مدركاً ذلك.
وأضاف أن الإشكالية لا تكمن فى التكنولوجيا ذاتها بل فى ضعف الوعى بكيفية التعامل مع الرسائل المتداولة، مشيراً إلى أن التعليم القائم على التفكير النقدى وتنمية مهارات التحقق والتحليل يمثل خط الدفاع الأول فى مواجهة انتشار السلوكيات السلبية خاصة بين فئة الشباب بوصفهم الأكثر استخداماً للمنصات الرقمية.
واختتم بتأكيد أن توجيه مسارات الانتشار الشبكى نحو ترسيخ القيم الإيجابية مسئولية مشتركة بين الأسرة والمؤسسة التعليمية ووسائل الإعلام لضمان ألا يتحول الفضاء الرقمى إلى بيئة خصبة لإعادة إنتاج أنماط سلوكية تتعارض مع استقرار المجتمع وأمنه الثقافى والاجتماعى.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض