«الوفد» وسط أسرته بمسقط رأسه قرية «مجول»
عبدالعظيم زاهر... الصوت الذهبى
حفظ القرآن على يد الشيخين «الجناينى» و«السقا».. ورائد فن التواشيح يثنى عليه
67 عامًا فى خدمة القرآن.. و«شعيشع» يصفه بمزمار آل داود
السينما حرصت على استعارة أذانه فى رواية «فى بيتنا رجل» لإحسان عبدالقدوس
تراثه الإذاعي ١٠٠ تسجيل.. ولم يسجل المصح£ المرتل
الجمهور طالب بعودته وصديقه الشيخ محمد رفعت بعد أن قاطعا الإذاعة
لم يشهد عصر التلاوة الذهبى صوتاً كصوت الشيخ عبدالعظيم زاهر الذى ينتمى إلى فئة «الصادح» وتحققت بداية الشهرة له فى أواخر العشرينيات وخلال النصف الأول من ثلاثينيات القرن العشرين. قال عنه الكاتب محمود السعدنى فى كتابه «ألحان السماء».
«كان صاحب صوت مقتدر على الأداء الممتاز فى جميع المقامات وهى ميزة كبرى لم يظفر بها إلا عدد قليل من القراء على رأسهم قيثارة السماء محمد رفعت» صوته صاحبته نبرة حزن وشجن فكانت أقرب للناى الحزين.
وكان القارئ الشهير عبدالعظيم زاهر صاحب بصمة متميزة للغاية فى دولة التلاوة على امتداد ثلث قرن وما يزيد (1936-1970) استطاع خلالها أن يحقق لنفسه مكانة مرموقة بين كبار القراء الذين تتميز بهم مصر والعالم الإسلامى، وفى مقدمتهم معجزة التلاوة الشيخ محمد رفعت، والمشايخ على محمود ومحمد الصيفى والشعشاعى وغيرهم من الرعيل الأول قبل أن تبزغ أصوات الشيخ مصطفى إسماعيل وكامل يوسف البهتيمى وعبدالباسط عبدالصمد، وعلى الرغم من مكانة الشيخ عبدالعظيم زاهر إلا أن تسجيلاته المصرية المرئية أو المسموعة قليلة للغاية حتى أذانه المميز للصلاة خاصة فى شهر رمضان اختفى تمامًا أو كاد، وقد بلغ تفرد أدائه فى الأذان حرص السينما على استعارته فى رواية مصرية معروفة وهى «فى بيتنا رجل» للكاتب الراحل إحسان عبدالقدوس، ويحسب للشيخ «زاهر» حرصه على الالتزام بأحكام التلاوة والقرآءت عملا بقول رسول الله «أحسن الناس صوتًا من رأيته يخشى الله فى تلاوته»، ولذلك كان من الطبيعى أن يشهد له قيثارة السماء الشيخ محمد رفعت.
«الوفد» ذهبت إلى مسقط رأسه بقرية مجول بمحافظة القليوبية والتقت أبناءه وأسرته وهذا نص اللقاء،،،،
فى البداية يقول الأستاذ الدكتور سمير نجل القارئ الكبير الراحل الشيخ عبدالعظيم زاهر: عاش والدى (67) عامًا فقد ولد يوم الاثنين 22 فبراير 1904 م بقرية مجول التابعة لمركز بنها بمحافظة القليوبية وكان يطلق عليها اسم «مجول الرمان»، حفظ القرآن فى كتاب القرية وهو ابن ثمانى سنوات، ما دفع والده إلى أن يلحقه بمعهد القراءات بالقاهرة الذى كان يوجد فى شارع الشيخ ريحان وكان المعهد الأول فى تدريس علم القراءات وقتها، فتتلمذ «زاهر» على يد الشيخ خليل غنيم الجناينى «والشيخ حنفى السقا» قبل أن يشارك فى المناسبات الدينية ويثنى عليه الشيخ على محمود رائد فن التواشيح الدينية ويتنبأ له بمستقبل باهر فى دولة التلاوة. والذى قال عنه» إن الشيخ «زاهر» يستطيع من شدة حفظه أن يقرأ بالمقلوب مثله فى ذلك كمن يعد الأرقام دون أن يتلعثم أو يخطئ، ولذا كان طبيعيًا أن يطلق عليه رواد الإذاعة الأوائل الأساتذة محمد فتحى وعلى خليل وحافظ عبدالوهاب لقب «صاحب الصوت الذهبى» حيث يزداد صوته حلاوة ولمعانًا كلما امتدت تلاوته لفترة أكبر.
ولم يكن صوت والدى فى حاجة إلى شئ بعد حفظ القرآن الكريم سوى الصقل الذى تحقق فى معهد القراءات، ليظهر للناس كقارئ مميز فى الاحتفالات الدينية، وذاع صوته فى السماع وسرادقات العزاء.
الإذاعة
وعن مرحلة الإذاعة أضاف نجله الأكبر: انضم والدى إلى قراء الإذاعة وكانت أول إذاعة له عبر الأثير صبح الثلاثاء 20 إبريل عام 1937 وقرأ خلالها ما تيسر من سورتى الذاريات والطور وكان ذلك قبل اختياره قارئًا للسورة بمسجد محمد على بالقلعة وحتى اندلاع ثورة 23 يوليو عام 1952.
وقد أطلق مدير الإذاعة وقتها محمد سعيد لطفى باشا عليه اسم «الصوت الذهبى» ولعل أبلغ وصف أطلق عليه من الشيخ أبو العينين شعيشع أنه مزمار من مزامير آل داود، وكان الإذاعى محمد فتحى قد لقبه باسم «كروان الإذاعة».
ونذر الشيخ عبدالعظيم زاهر حياته لخدمة القرآن، فبالإضافة إلى تسجيلاته الإذاعية التى يمكن أن تغطى ختمة كاملة، ثم انتقل بعد ذلك ليعمل قارئاً للسورة بمسجد صلاح الدين بحى المنيل حتى وفاته وشارك فى بعثات وزارة الأوقاف التى كانت تذهب لإحياء ليالى شهر رمضان فى الدول العربية ومنها السعودية والأردن واليمن، وكانت رحلاته لأيام قلائل، لأنه كان لا يطيق البعد عن مصر وكان لا يميل للسفر خارج مصر خوفاً من ركوب الطائرات ولذلك فضل ركوب البحر فى السفر إلى الأراضى المقدسة لأداء فريضة الحج عام 1961، والمرة الوحيدة التى ركب فيها الطائرة كانت بصحبة وزير الأوقاف وقتذاك إلى اليمن فى أعقاب ثورة اليمن بقيادة المشير عبدالله السلال.
ولم تخل مناسبة دينية داخل مصر من مشاركته، وكان الشيخ يفضل فى قراءاته قراءة «حفص» ومع ذلك فقد سجل لمختلف الإذاعات الأجنبية التى تبث برامجها العربية بترتيلات مختلفة من مختلف القراءات التى أتقنها على يد الشيخ خليل الجناينى، وبلغ من تميزه وتفرده فى الأذان أن اقتبست السينما المصرية صوته فى فيلم «فى بيتنا رجل» لإحسان عبدالقدوس.
وللأسف لم يترك الشيخ زاهر تسجيلاً كاملاً للمصحف المرتل، لأنه كان بعيداً عن المجاملة وفن التعامل مع المسئولين عن الإذاعة فى عصره، وبلغ عدد تسيجيلات الشيخ بالإذاعة أكثر من مائة تسجيل منها ثمانية وسبعون تسجيلاً لمدة نصف ساعة، وثمانية عشر تسجيلاً لمدة ربع ساعة، وستة تسجيلات مدة الواحدة (45) دقيقة، وعدد من التسجيلات لمدة عشر دقائق.
ويسجل الشيخ للتليفزيون تسجيلاًت مدة كل منها عشر دقائق ليس بينها تسجيل واحد بالصوت والصورة.
علاقته بقيثارة السماء الشيخ محمد رفعت
ربطت والدى الشيخ عبدالعظيم زاهر علاقة وثيقة بالشيخ محمد رفعت، فكان كل منهما يحرص على سماع الآخر وفى الوقت الذى كانت تبث فيه الإذاعة برامجها على الهواء مباشرة، وكان المتبع أن قارئ القرآن يظل بالاستوديو ولا يغادره إلا بعد أن يرفع أذان المغرب، فما كان من الشيخين إلا أن يتبادلا طعام الإفطار فى رمضان، فإذا كانت التلاوة للشيخ عبدالعظيم زاهر فكان بعد المغرب يخرج قاصداً منزل الشيخ رفعت بدرب الجماميز، ليتناول معه الإفطار وإذا كانت التلاوة على الشيخ رفعت، فكان يخرج إلى حيث يسكن الشيخ عبدالعظيم زاهر بحلمية الزيتون.
اختلف الشيخ «زاهر» فى مرة من المرات مع الإذاعة وقت أن كانت إنجليزية فقال لمديرها الانجليزى وكان اسمه «ماركونى»: «إن الإذاعة تتشرف بنا نحن المشايخ، ولا تجد هذا الشرف فى وجودك على رأسها، وسانده الشيخ محمد رفعت وقاطعا الإذاعة فترة طويلة، ما دفع المستمعين للمطالبة بعودة الشيخين إلى الميكروفون، فخضعت الإذاعة لمطالب الناس وعاد الشيخان.
وعندما توفى الله الشيخ محمد رفعت بكاه كثيرًا الشيخ «زاهر» وقال إن قراء مصر فقدوا بوفاة الشيخ «رفعت» قيثارة من السماء رحمه الله.
جمعية الشيخ عبدالعظيم زاهر
يستكمل نجل القارئ الراحل قائلا: لقد كان والدى رحمه الله صاحب عقيدة راسخة متأسيًا بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلى»، حيث كان الوالد يقوم بأعمال الخير المختلفة من توزيع للزكاة والصدقات والأضاحى فى كل وقت خصوصًا فى المناسبات الدينية المختلفة طوال العام.
ومن هنا سارت الأسرة على هذا النهج وقررت أن تستمر على هذا الدرب من فعل للخيرات، كما كان يفعل الوالد رحمه الله.
وقد بدأت فكرة إنشاء الجمعية من خلال الابن الأكبر المغفور له بإذن الله الدكتور حسين عبدالعظيم زاهر، حيث بدأ باستطلاع آراء أشقائه وشقيقاته فردًا فردًا ومن ثم حصل على موافقة الجميع، وقد شهرت الجمعية بصفة رسمية برقم 960 لسنة 2005 وقد اتفق على أن يكون المقر الرئيسى بمسقط رأسه بقرية مجول ببنها فى محافظة القليوبية، وبالمجمع السكنى الخاص بالشيخ وأبنائه فقط.
بعد ذلك تم إنشاء فرعين جديدين للجمعية ومقرهما بالقاهرة، وقد اتفق أبناء الشيخ على أن تكون باكورة إنجازات الجمعية الشروع فى إنشاء مسجد جامع كبير والذى صنف عقب افتتاحه عام 2009 كأكبر مسجد بالقرية والقرى المجاورة لها وهو تحفة معمارية على غرار المساجد الكبرى، كما كان يحلم بذلك أخى الكبير رحمه الله وذلك خدمة لمرتادى بيت الله وزواره من أهالى القرية والقرى المجاورة. والجامع يزخر دائمًا بالمناسبات الدينية الجامعة والتى إما أن تذاع على الهواء مباشرة أو يتم تسجيلها وإذاعتها بالتليفزيون والإذاعة ومثال ذلك استقبال شهر رمضان، وكذا ليلة القدر والوقوف بعرفات ومطلع العام الهجرى، فضلا عن الاحتفال بالذكرى السنوية لوفاة الوالد وخلافه.
بعد ذلك بدأت الجمعية فى ممارسة ومزاولة ومتابعة أنشطتها المختلفة سواء بالمقر الرئيسى بالقرية أو فى الفروع بالقاهرة فتم إنشاء مجمع عيادات لكافة التخصصات الطبية المختلفة والتى تعمل فى معظم فترات العام بالمجان، بالإضافة إلى مقرأة ودار تحفيظ للقرآن الكريم بالمجان ويصل عدد الدارسين اليوم إلى أكثر من 500 دارس من أعمار مختلفة من الجنسين وذلك بالمقر الرئيسى، فضلا عن حضانة لصغار الأطفال يتم تدريس اللغات الحية المختلفة بها وكذا العلوم والرياضيات ومزاولة كافة الأنشطة.
ومن أنشطة الجمعية، كفالة الأيتام وتجهيز العرائس وإطعام المساكين وتمديدات وصلات للمياه وبناء أسقف منازل فى صعيد مصر وتوزيع بطاطين فى الشتاء ومساعدة المحتاجين، كل هذه الأنشطة وغيرها كانت تتم من قبل الوالد رحمه الله ثم تابعت الجمعية لهذا المنهج وحتى الآن ومنذ إنشائها والتى اخترنا لها بإجماع الآراء وكأول رئيس للجمعية شقيقى الأكبر رحمه الله الأستاذ الدكتور حسين عبدالعظيم زاهر، ثم تولت من بعده شقيقتى المغفور لها بإذن الله الأستاذة الدكتورة هانم عبدالعظيم زاهر، وحاليًا أتولى وأشرف عليها أنا الأستاذ الدكتور سمير عبدالعظيم زاهر رئاسة الجمعية، ونحن نسير على درب الوالد فى ضوء الأهداف الاستراتيجية والرؤى المستقبلية التى من أجلها أسست الجمعية منتهجين السلوك القرآنى والمحمدى.
أسرة الشيخ
رزق الشيخ عبدالعظيم زاهر بالبنين والبنات والأحفاد، وأول أولاده هو الدكتور حسين وله من الأولاد خمسة، والحاجة قوت القلوب ولها من الأولاد سبعة والحاجة رشيدة ولها من الأولاد ستة والدكتور سمير وله من الأولاد سبعة والمهندس صلاح وله من الأولاد خمسة والدكتورة هانم ولها من الأولاد اثنان، والمهندس عز العرب وله من الأولاد اثنان والمهندس شمس وله من الأولاد اثنان والمحاسب عصام وله من الأولاد اثنان والمهندس حسام وله من الأولاد أربعة والمهندسة علية ولها من الأولاد ثلاثة والمهندس طلعت وله من الأبناء اثنان.
الرحيل
ويضيف دكتور سمير نجل القارئ الكبير: بدأت رحلة نهاية حياته فى أعقاب إصابته بانفصال فى الشبكية بعينه اليمنى عام 1967 م، وأجرى عملية جراحية ثم أصيب بمرض الصفراء فى العام التالى قبل أن تصعد روحه يوم الثلاثاء الثامن من ذى القعدة سنة 1390 هـ الموافق الخامس من يناير 1971 م، وتمت الصلاة عليه فى مسجد عمر مكرم ليوارى جثمانه الثرى بمسقط رأسه بقرية مجول بالقليوبية، مات وترك اثنى عشر ولداً وبنتاً يقرأون القرآن، رحمه الله وبعد رحيله بعشرين عاماً كرمته مصر فى احتفال ليلة القدر بمنح اسمه وسام الجمهورية من الطبقة الأولى.


تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض