في زمن تتزاحم فيه الأفكار وتتشابه فيه الوصفات السينمائية، يطل علينا فيلم "السادة الأفاضل" بقدرٍ لافت من العبث والهزل، كأنه يقول للمشاهد منذ اللحظة الأولى: لا تبحث عن المنطق كثيرًا، بل استسلم للدهشة.. عبثية واعية لا تُراهن على الضحك السهل، لكنها – paradoxically – تنجح في أسر قلوب الجمهور، وتثير في الوقت نفسه اهتمام النقاد، لتثبت أن الكوميديا حين تُدار بذكاء تستطيع أن تكون خفيفة وعميقة معًا.
الفيلم الذي كتب له القصة والسيناريو والحوار مصطفى صقر، ومحمد عز الدين، وعبد الرحمن جاويش، لا يدّعي الجدية، ولا يتخفى وراء أقنعة فلسفية ثقيلة، بل يتقدم بثقة داخل مساحة الهزل، مستندًا إلى مواقف متتابعة تتصاعد غرابتها، دون أن تفقد خيطها الإنساني.. هذه العبثية لم تكن عشوائية، بل جاءت محسوبة، وهو ما يفسر كيف نجح العمل في تحقيق إعجاب شريحتين غالبًا ما تختلفان: الجمهور الباحث عن المتعة، والنقاد الباحثون عن البناء والاشتغال الفني.
أحد أهم مكاسب الفيلم هو اعتماده الواضح على كوميديا الموقف أكثر من إفيهات تُلقى وتُنسى، الضحك هنا يولد من تتابع الحدث، من سوء التفاهم، من المفارقة بين ما يُقال وما يحدث، وهي مدرسة قديمة لكنها أصيلة في السينما المصرية، وهو ما يجعلنا نستدعي نموذجًا كلاسيكيًا مثل فيلم "إشاعة حب"، ذلك الفيلم الذي صنع ضحكه من المواقف والارتباكات الإنسانية، لا من القفشات المباشرة، فـ "السادة الأفاضل" يسير على الخط نفسه، فيكسب ضحكًا أطول عمرًا، وضحكة تأتي بعد تفكير، لا بعد إفيه محفوظ.
أشرف عبدالباقي.. مفاجأة لا تنتهي
في شخصية "عم خيري" يثبت الفنان أشرف عبدالباقي مرة أخرى أنه ممثل يعرف كيف يراوغ فكرة الانتهاء، فكلما ظن البعض أنه قال كل ما لديه، فاجأنا بشخصية جديدة، مختلفة، نابضة بتفاصيل صغيرة لكنها مؤثرة.
أداء عبدالباقي هنا لا يعتمد على المبالغة، بل على الاقتصاد في الحركة والنبرة، وعلى وعي كامل بطبيعة الشخصية وموقعها داخل العبث العام للفيلم، فعم خيري شخصية تبدو عابرة، لكنها تترك أثرًا، وهذا في حد ذاته علامة ممثل يعرف أدواته جيدًا.
انتصار.. أمومة مُقنعة بلا ادعاء
جرأة كبيرة تحسب للفنانة انتصار في تقديمها شخصية أم محمد ممدوح ومحمد شاهين، رغم أن الفارق العمري بينها وبينهما ليس كبيرًا بالمعنى التقليدي، ومع ذلك، لم يشعر المشاهد للحظة بعدم التصديق، والسر هنا ليس في المكياج ولا في الشكل، بل في الإحساس.. انتصار لعبت الأم من الداخل، نبرة الصوت، نظرة العين، والانكسار الواضح في مشاهد الحرقة بعد اكتشاف زواج الزوج عليها، في تلك اللحظات، تسقط الحسابات الرقمية للفروق العمرية، ويبقى الإحساس الصادق فقط.
ميشيل ميلاد.. ميلاد نجم كوميدي محتمل
يُسجَّل للفيلم أيضًا تقديمه أداءًا لافتًا للممثل الشاب ميشيل ميلاد في شخصية "محمود العويل".. أداء بسيط، غير متكلف، يعتمد على خفة ظل طبيعية، لا على افتعال أو صراخ، وهذا النوع من الأداء هو ما ينذر بولادة نجم كوميدي حقيقي، لأن أصعب ما في الكوميديا أن تبدو سهلة، وميشيل ميلاد نجح في ذلك، وترك انطباعًا بأننا أمام موهبة تستحق المتابعة.
دينا دياب.. ضحك بطعم الوجع
أما دينا دياب، ففي شخصية "دنيا"، فتاة الليل ذات القلب المكسور والتي تسير على عكازين بعد إصابة قدمها ووضعها في الجبس، حيث قدمت توليفة ذكية بين الكوميديا والألم، شخصية تضحكك، لكنها لا تخلو من وجع إنساني واضح، وهو ما جعلها قريبة ومؤثرة في آن واحد، أداؤها يوحي بوعي فني، وقدرة على اللعب في منطقة صعبة بين السخرية والتعاطف، وهو ما يجعلنا نتوقع لها مستقبلًا فنيًا جميلًا إذا أحسنت اختيار أدوارها المقبلة.
كريم الشناوي.. حين يصبح الجمع فنًا
لا يمكن المرور على "السادة الأفاضل" دون توجيه تحية خاصة للمخرج كريم الشناوي، الذي نجح في واحدة من أصعب معادلات الإخراج وهي جمع هذا الكم من الفنانين المختلفين في الأسلوب والحضور، وتوجيههم داخل نسيج واحد متماسك، دون أن يطغى أحدهم على الآخر.
كريم الشناوي لم يكتفِ بإدارة المشاهد، بل أدار الطاقات، واستخرج من ممثليه مناطق أداء ربما لم نرها بهذه الخفة والانسجام من قبل، فنرى ذلك بوضوح في أكرم حسني في شخصية "حكيم" مغسل الأموات، حيث ابتعد عن الكوميديا الصاخبة وقدم أداءً ساخرًا هادئًا ومختلفًا، وكذلك في أداء بيومي فؤاد، وأحمد السعدني في شخصية "سمير أطاليا" ذلك المجرم الطيب الذي جمع بين القسوة والبراءة في آن واحد.
ويستكمل الشناوي هذا التناغم مع أسماء لها ثقلها وتجاربها المختلفة: أشرف عبدالباقي، انتصار، محمد شاهين، محمد ممدوح، وناهد السباعي، دون أن نشعر بتفاوت أو خلل في الإيقاع، أما هنادي مهنا، في شخصية فتاة "إيجيبت" التي تنزل للفلاحين بتوع مصر، فقد جاءت كعنصر ساخر ذكي، يعكس مفارقة طبقية واجتماعية، ويضيف بعدًا كوميديًا معاصرًا دون افتعال.
هذا النجاح في الجمع والتوجيه يؤكد أن كريم الشناوي لا يراهن فقط على النص أو النجومية، بل على العمل الجماعي، وعلى الإيمان بأن الكوميديا الحقيقية تُصنع حين يشعر كل ممثل أنه جزء من لوحة أكبر، لا مجرد لقطة منفردة.
في الختام "السادة الأفاضل" هو بالفعل فيلم عبثي، لكنه عبث يعرف ماذا يريد.. هزلي، لكنه لا يستخف بعقل جمهوره.. عمل يؤكد أن الكوميديا حين تُصنع باحترام، يمكنها أن تضحك النقاد والجمهور معًا، دون أن تفقد روحها الإنسانية.. إنه واحد من تلك الأفلام التي لا تعدك بالكمال، لكنها تمنحك متعة صادقة، وتتركك بعد الخروج من القاعة بابتسامة، وربما بفكرة: أن العبث أحيانًا أصدق الطرق لقول الحقيقة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض