فخريات
الحضارة صديقى العزيز فى أبسط معانيها هى ثمرة الجهد الإنسانى فى بناء حياة راقية للإنسان، ماديةً كانت أو معنوية.
ومعنى ذلك أن الحضارة تعبّر عن رُقيّ الإنسان فى فكره، ونظامه، وسلوكه، وذوقه، وفى علاقته بربّه والناس والكون من حوله.
وليست الحضارة مجرد مبانٍ شاهقة أو مخترعات مادية فحسب، بل هى مفهومٌ أشمل وأعمق، يجمع بين جانبين متكاملين:
الجانب المادى الذى يتمثل فى المخترعات والمبتكرات والتعليم والصناعة وسائر مجالات التقدم العلمى والتقنى.
والجانب القيمى الروحى الذى يقوم على الأخلاق والعدالة واحترام الإنسان وصيانة كرامته.
ومن هنا، فالحضارة هى نتاج تفاعل الإنسان مع الأرض والزمن فى ضوء القيم التى يؤمن بها ويسترشد بها فى مسيرته.
وللحضارة أعمدة ثلاثة تمثل أساس قيامها واستمرارها:
أولها: الإنسان الواعى
وهو الذى يعى رسالته فى هذا الكون، ويدرك المقاصد العليا التى كُلّف بها، وهى العبادة، والعمارة، والتزكية بالأخلاق الحسنة.
فالإنسان الحضارى هو الذى يجمع بين عبادة خالقه، وعمارة أرضه، وتزكية نفسه، فيكون مؤمنًا عاملًا، نافعًا للناس، صانعًا للخير والجمال فى الحياة.
ثانيها: القيم الراسخة
وهى التى توجّه حركة الإنسان نحو البناء والتنمية والعمران وصناعة الحضارة.
وينبغى أن ندرك أن الجوارح تستمد طاقتها وتصرفها وتوجيهها من القلب؛ فإذا امتلأ القلب بالشواغل والشهوات الخفية وأسباب المعاصى ضَعُف أثر الجوارح، ولا يتصور منها إلا كل قبح أو فساد.
أما إذا صَفَا القلب من كل ما يشغله عن الله، وتجمّل بأسباب الطاعة ومحبة الخير والنفع للناس وصناعة الجمال، صار من أحبّ الناس إلى الله، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: «أحبّ الناس إلى الله أنفعهم للناس».
فمن كان قلبه فى صلة دائمة بالله، انطلقت جوارحه بكل خيرٍ وجمالٍ نحو إعمار الأرض وإسعاد الخلق.
ثالثها: العلم والإبداع
فالعلم هو الباب الرئيس نحو العمران وصناعة الحضارة، ولا يُقصد به العلم الدينى وحده، بل كل علمٍ نافعٍ دينيًّا كان أو دنيويًّا.
فـالعلوم الشرعية، والعربية، والإنسانية، والتجريبية، والتطبيقية، وصولًا إلى تكنولوجيا العصر، جميعها تحمل قيمة حضارية تُسهم فى بناء الإنسان والمجتمع.
والعلم لا يثمر إلا إذا تزيّن صاحبه بقيم الدقة، والضبط، والجودة، والإتقان، والتميز، والابتكار؛ فبهذه القيم يبلغ الإنسان مرتبة الإبداع التى تصنع الحضارة وتُجددها.
وهكذا، تقوم الحضارة على إنسانٍ واعٍ، وقيمٍ راسخة، وعلمٍ مبدع، وهذه الأعمدة الثلاثة كانت وما زالت ماثلة فى الشخصية المصرية التى استطاعت عبر العصور أن تجمع بين الأصالة والتجديد، وبين الإيمان والعقل، وبين الجذور الممتدة فى أعماق التاريخ والطموح المتطلع إلى آفاق المستقبل.
فاللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا، ووفّقنا للإتقان والإبداع فى القول والعمل، واجعل علمنا عملًا، وعملنا عبادة، وعبادتنا طريقًا إليك يا رب العالمين.
رئيس الإدارة المركزية لشئون القرآن بالأوقاف
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض