يشكل فوز زهران ممداني في انتخابات عمدة نيويورك لعام ٢٠٢٥ حدثاً سياسياً استثنائياً يتجاوز حدود المدينة ليعكس تحوّلاً أعمق في المشهد السياسي العالمي. فممداني، الشاب المسلم ذو الأصول الإفريقية الآسيوية، استطاع أن يحقق انتصاراً تاريخياً بوصفه أول مسلم وأول شخص من جنوب آسيا يتولى هذا المنصب في أكبر المدن الأميركية، ما يجعل من انتخابه لحظة رمزية تعكس تصاعد تأثير الأقليات العرقية والدينية في الديمقراطية الغربية، وتحوّل المزاج العام داخل المجتمع الأميركي من المركزية البيضاء إلى التعددية الحقيقية في التمثيل والهوية.
جاء فوز ممداني نتيجة تحالف جديد قوامه الشباب والمهاجرون والفئات المهمّشة التي وجدت فيه صوتاً يُعبّر عن قضاياها اليومية: السكن، والتعليم، والمواصلات، والعدالة الاجتماعية. فقد رفع في حملته شعار "مدينة للجميع لا تُطرد منها الفقراء"، متعهداً بتجميد الإيجارات، وتوفير النقل العام المجاني، وإعادة توجيه ميزانية المدينة نحو الخدمات العامة بدلاً من الامتيازات الخاصة. هذه الوعود لم تكن مجرد شعارات انتخابية، بل مثّلت برنامجاً سياسياً يعكس صعود التيار التقدمي في الغرب، وعودة الأفكار الاشتراكية الديمقراطية إلى واجهة النقاش العام بعد عقود من الهيمنة النيوليبرالية.
لكن ما يجعل هذا الفوز ذا بُعد عالمي هو أنه يعبّر عن موجة أوسع من التحولات التي تشهدها المجتمعات المتقدمة، حيث بدأت الطبقات الوسطى والدنيا تشعر بأن النظام الرأسمالي لم يعد قادراً على ضمان العدالة والكرامة. من أوروبا إلى أميركا اللاتينية، يتكرر المشهد ذاته: صعود قادة ينتمون إلى خلفيات غير تقليدية، يرفعون شعارات المساواة والمساءلة، ويواجهون النخب المالية والسياسية التقليدية. ممداني في هذا السياق ليس مجرد عمدة، بل نموذج جديد للسياسي الذي يجمع بين الانتماء المحلي والرؤية التقدمية، وبين الجذور الثقافية المتنوعة والخطاب الإنساني الشامل.
إن انتخاب ممداني يشير إلى إعادة تعريف مفهوم القوة في السياسة العالمية؛ لم تعد القوة تُقاس بالثروة أو النفوذ العسكري فقط، بل بقدرة القائد على تمثيل التعددية وصياغة مشروع جامع لمجتمع منقسم. نجاحه يفتح الباب أمام صعود وجوه جديدة في الغرب والعالم العربي على السواء، ويؤكد أن التحول نحو "السياسة من القاعدة" أصبح واقعاً لا يمكن تجاهله. فكما مثّل فوز أوباما ذات يوم منعطفاً في التاريخ الأميركي، قد يمثل فوز زهران ممداني بداية لعصر جديد يُعيد للسياسة معناها الإنساني والاجتماعي، ويضع نيويورك في قلب التحول نحو عالم أكثر عدلاً وتنوعاً وشمولاً.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض