فخريات
قال تعالى: {قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ}.. هذه الآية الكريمة من أعمق الآيات التى تفتح باب القلب على نور الهداية واليقين.
«قد جاءكم»: ليس وعدًا بالمستقبل، بل خبر تحقق الآن، فكلمة «قد» هنا تعطى معنى التحقيق، أى أن الأمر قد وقع وانتهى، والهبة الإلهية قد أُرسلت بالفعل، فلا عذر لأحد أن يزعم أنّه لم يبلغه النور.
إنها كلمة تهزّ القلب: قد جاءكم، أى بلغكم النور، وصل إليكم الفيض الإلهى، اقتربت منكم الهداية حتى طرقت أبواب قلوبكم.
«من الله»: هذه الهدية ليست هدية عادية، بل عطية من ملك الملوك، تحمل فى طياتها حبه ولطفه بعباده، ودليلًا على أن الله لم يتركنا لنتخبط فى الظلام بلا دليل، بل مدَّ إلينا يد الهداية.
النور: هو سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، روحًا وضياءً وهدًى، أرسله الله (جل جلاله) رحمة للعالمين، يحمل مشكاة الأنوار التى تبدّد ظلمات الشك والجهل والضياع.
النور هنا ليس ضوءًا يُرى بالعين، بل ضياءً يغمر الروح، فيُنير الباطن، ويجعل الإنسان يرى حقيقة وجوده، ويفهم سرّ حياته، ويجد الطمأنينة فى سيره إلى الله.
لأن هناك فرقًا عميقًا بين النور الحسى والنور المعنوى، فالنور الحسى وظيفته أن يحفظ المخلوقات من الاصطدام بعضها ببعض، فالذى يسير فى وادٍ مظلم يحتاج إلى ضياءٍ يفتح له الطريق، حتى لا يتخبط أو يصطدم بما يعترضه.
أما النور المعنوى، فدوره أعظم وأجلّ، إذ يحفظ المخلوق من أن يصطدم بربّه، أى من أن ينحرف عن طاعته أو يضلّ عن معرفته، فيبقى سائرًا فى مدارج العبودية على هدى وبصيرة.
فكما أن من فقد النور الحسى عاش فى ظلمة الطريق، فإن من فقد النور المعنوى عاش فى ظلمة القلب، وإن أشرقت عليه شمس النهار.
(وَكِتَابٌ مُّبِينٌ): الكتاب المبين: هو القرآن الكريم، الواضح الجليّ، الذى يبيّن الحق من الباطل، والنور من الظلمة.
هو كتاب يُحدّث قلبك وعقلك فى آنٍ واحد، فإذا قرأته ببصيرتك رأيت أنه ليس كلمات وحروفًا فقط، بل أنهار من المعانى والأنوار تسقى روحك، وتُرشدك إلى الطريق المستقيم.
فكأن الآية تقول:
يا أبن آدم، قد جاءك من ربك ما يكفيك لتضىء عتمة روحك، قد جاءك النور الذى يمشى بك إلى السكينة، والكتاب الذى يفسّر لك أسرار الطريق. فلا حجّة لك بعد اليوم، النور بين يديك، والكتاب يفتح لك أبواب الحقيقة.
وبتأمل فلسفيً فى الآية الكريمة: إن النور هنا يمثل الجانب الوجودى للرسالة، فهو الحقيقة الحيّة المتجسدة فى الرسول (صلى الله عليه وسلم). أما الكتاب فيمثل الجانب المعرفى، الحقيقة المكتوبة المفسّرة للعقول. فالتلاقى بين «النور» و«الكتاب» هو اكتمال الهداية للإنسان: حضورٌ فى القلب، وبرهانٌ فى العقل، وسلوكٌ فى الحياة.
وبتأمل روحانىّ: من آنس بهذا النور فى قلبه لم يعد وحيدًا قط، ومن تشرّب هذا الكتاب فى روحه لم يعد تائهًا أبدًا.
فالنور قد وصل، والكتاب بين يديك، فليس بعد هذا العذر فى البقاء فى الغفلة. فمن تمسك بالنور عاش حياة البصيرة، ومن أعرض بقى أسيرًا لظلامه الداخلى مهما أضاءت من حوله الأنوار.
رئيس الإدارة المركزية لشئون القرآن بالأوقاف
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض