رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

فإن ذهبت أخلاقهم

بوابة الوفد الإلكترونية

 

تغييب الهوية وتشويه المجتمع على المنصات الإلكترونية.. والخبراء: غياب الوعى الدينى والتربوى وراء الكارثة

 

«إنما الأمم الأخلاق ما بقيت.. فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا».. كلمات لأمير الشعراء أحمد شوقى لخصت المحددات التى على أثرها تبنى المجتمعات وتقوى فى مواجهة أى محاولات لهدم الشعوب من الداخل، عن طريق خوض معركة ثقافية لتغييب الهوية وتدمير وتشويه صور الشخصيات المؤثرة فى المجتمعات والتى تعد بمثابة القدوة والمثل للأجيال التالية، بسبب سهولة وإتاحة مسارات الوصول للعناصر المستهدفة، وبات الأمر ليس مجرد محتوى يتم إطلاقه على وسيلة مقروءة أو مسموعة أو عبر منصة من المنصات الرقمية أو تليفزيون الواقع، أو السوشيال ميديا، إنما محتوى يعمل على تسطيح العقول ونشر الفوضى، من خلال بث محتوى معين إما يستهدف ثوابت قيمية وأخلاقية فى المجتمع فيصبح مجتمعًا بلا أخلاقيات مما يسهل عملية اختراقه وتدميره من الداخل.

ورجح الخبراء، أسبابا التى أدت إلى ذبح القيم والأخلاق، فى مجتمعاتنا الشرقية والعربية هي غياب الرقابة والقدوة والسعى للربح.

غياب الرقابة

ويقول الدكتور محمود علام، ‏استشارى إرشاد نفسى وعلاقات أسرية وطفولة‏، فى السنوات الأخيرة، اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعى شخصيات أصبحت تحظى بشعبية كبيرة، رغم ما تقدّمه من محتوى فارغ أو حتى مسيء، وللأسف، هذه الشخصيات لم تأتِ من فراغ، بل ظهرت وانتشرت بفعل عدة عوامل سمحت لها بالتصدر دون وجه حق، وأبرزها:  غياب الرقابة الإعلامية والتشريعية، ما سمح بتفشى المحتوى الهابط دون أى محاسبة أو تنظيم، سعى المنصات الرقمية وراء التفاعل والربح، ما يدفعها لترويج المحتويات المثيرة للجدل ولو كانت بلا قيمة، وغياب القدوة لدى فئة كبيرة من الشباب، ما يجعلهم أكثر قابلية للانجراف خلف شخصيات سطحية تمثل شهرة زائفة، كما أن الجمهور نفسه يسهم فى الانتشار، من خلال كثرة التفاعل والمشاهدة، حتى لو كان بدافع السخرية أو النقد.

وتابع «علام»، مع الانتشار الكبير لهذه النماذج السلبية، أصبح من الضرورى أن تحصّن كل أسرة مصرية أبناءها من التأثر أو التقليد، حماية البيت تبدأ من الداخل، بالوعى والتربية والقدوة، والرقابة الأسرية الواعية على ما يشاهده الأبناء، مع الحرص على المناقشة والتصحيح لا التوبيخ فقط، وتقديم قدوة حقيقية داخل البيت، لأن الطفل يقتدى أولًا بأبويه فى تصرفاته وسلوكياته، غرس الوعى النقدى تجاه المحتوى الرقمى، وتعليم الأبناء التمييز بين المحتوى البناء والمحتوى المُضلل، لافتًا إلى أننا فى مجتمع له خصوصيته الأخلاقية والثقافية والدينية، ولا يمكن السماح باستمرار هذا الانحدار دون مواجهة. ومواجهة انتشار تلك النماذج يحتاج إلى تكاتف قانونى ومجتمعى وثقافى، من خلال سن قوانين واضحة وصارمة تُجرّم الإسفاف الأخلاقى والمحتوى المنحرف، وتُلزم المنصات بتحمل المسئولية، وتفعيل دور المؤسسات الدينية والإعلامية والثقافية فى حملات توعية واسعة ومستمرة، تُعيد توجيه الشباب، ونشر محتوى بديل هادف وجاذب يستطيع أن ينافس على نفس المنصات وبنفس الأسلوب ولكن برسالة نظيفة، ووقف التفاعل مع تلك الشخصيات وعدم منحهم أى اهتمام رقمى، لأن الشهرة تأتى من «اللايكات» والمشاهدات».

وأشار الخبير، إلى أنه عند استمرار هذه الظاهرة بلا تصحيح أو رقابة سينعكس بشكل كارثى على بنية المجتمع وثقافته، فالنتائج السلبية بدأت تظهر فعلًا، وقد تتفاقم إذا لم يتم التصدى لها، حيث إننا رأينا انحدارا واضحا فى القيم والأخلاق العامة، وتطبيع سلوكيات كانت تُعدّ فى السابق مرفوضة دينيًا واجتماعيًا، وتفككا أسريا ومجتمعيا متزايدا، نتيجة اقتداء الأبناء بنماذج تروّج للتمرد والرفض والانحراف، وتشويه صورة المجتمع المصرى والإسلامى أمام العالم، بسبب تصدّر محتوى لا يمثل هويتنا، وتدمير الوعى الجمعى والهوية الثقافية، وخلق أجيال تفتقد الثوابت والانتماء الحقيقى وقيمها ودينها.

رأى الدين

ومن الناحية الدينية، تحدث الدكتور أحمد الطباخ، الحاصل على الدكتوراه فى اللغة العربية‏ فى ‏الأزهر الشريف‏، قائلًا: «ليست الأمم بكثرة الكلام وحلاوة المنطق وسلامة اللسان، وإنما بالقيم والمبادئ والأخلاقيات، فإن ذهبت فما الذى يبقى بعد ذلك ولو امتلكت الأموال وحققت الشهرة الزائفة التى وجدنا طبقة من الجهلة والغوغائيين هم من يمتلكون منصات يروجون من خلالهم محتويات لا أخلاقية بأشكال ليس مكانها سوى المصحات النفسية والتأهيل فى أماكن الإصلاحيات، وليس الظهور بهذا الشكل المريب، إذ كيف يسود الجهال ويشتهرون هذه الشهرة بهذا الشكل، وليس لعلماء الأمة الذين لهم قدم صدق فى كل العلوم والمعارف والمهارات لا يعرف أحد عنهم شيئا، ولم ينالوا معشار ما ناله هؤلاء من تلك الشهرة الزائفة والأموال الطائلة، وقد تركت هذه المنصات للناس دون رقابة صارمة تأخذ على أيدى هؤلاء الذين أفسدوا أذواق الناس، وأشاعوا الفاحشة وأعلوا قيم الخسة والنذالة، وشغلوا الناس بأكلاتهم وسفرهم وأحوالهم وملابسهم وفرضوا على البسطاء واقعا جديدا لا يمكن أن يسهم فى تحقيق الأمن والاستقرار للبلاد ما سهل الأمر على مخططات الأعداء الذين يتربصون بنا الدوائر، ولا ينفكون عن تفتيت المجتمعات وانسلاخها عن قيم دينها.

وتابع «الخطاب»، مما لا شك فيه أن غياب الوعى والتوعية التى كان للمدرسة ودور العبادة دور كبير فى تصحيح البوصلة التى انحرفت بطريقة متناهية أوجدت طبقات ليست من طين هذا الوطن الذى لم يعرف أهله سوى الشرف والشهامة والمحافظة على القيم مهما كانت الأزمات الخانقة والحل لكل ذلك فى تنمية الوعى وتنبيه الناس لخطورة هؤلاء الذين كشفوا بيوتهم، واستسهلوا طريق الحصول على المال الذى لا يستسيغ هذه الطريقة التى لا يقبلها عقل ومنطق فلا قيمة لمال جاء من كسب حرام دون عمل نافع، ولا جهد كبير يريح الضمير وينفع صاحبه فليس بهذا تتقدم الأوطان، ويتحقق الامان للبيوت التى هى فى أمس الحاجة إلى تربية وتعليم الأبناء على القيم والأخلاق الحميدة.