رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

«العزلة الرقمية» تهدد الأسر المصرية

بوابة الوفد الإلكترونية

خبيرة تربوية: الإسراف فى التكنولوجيا يدمر نمو الأطفال

الهواتف تربى الأبناء بعيدًا عن عيون الآباء

إجازة الصيف.. عزلة اختيارية مع «الموبايل»

خبير أمن معلومات: ساحة واسعة للتهديدات الخفية

مع انطلاق الإجازة الصيفية، لا يبدو التغير فى سلوك المراهقين والشباب مجرد اضطراب مؤقت فى مواعيد النوم والاستيقاظ، بل هو تحوّل جذرى فى أنماط الحياة يكرّس عزلة رقمية تتسع يومًا بعد يوم، سهر طويل أمام الشاشات حتى الفجر، نوم ثقيل يسرق النهار، وأبواب مغلقة خلفها عوالم افتراضية، يتحول فيها الهاتف إلى رفيق دائم، والشاشة إلى واقع بديل لا مكان فيه لصوت الأسرة أو تفاعلها.

تتحوّل غرف النوم إلى مساحات رقمية خاصة، تُغلق على أصحابها وتُقصى كل ما هو حقيقي. تقول سلمى، طالبة بالمرحلة الثانوية: «أنا ممكن أقعد يومين فى الأوضة من غير ما أتكلم مع حد، كل صحابى على الواتساب، وبخرج أونلاين أكتر ما بخرج بجد»، بينما يعلّق زياد، طالب جامعي، قائلًا: «أنا مش منقطع اجتماعيًا، بس بتواصل بطريقتي.. على ديسكورد ويوتيوب وباللايفات»، معتبرًا أن العالم الرقمى بات امتدادًا طبيعيًا لحياته اليومية.

ورغم شعور الأبناء بالانتماء إلى هذا الفضاء المفتوح، فإن القلق يتزايد داخل كثير من الأسر، التى ترى أن أبناءها ينسحبون تدريجيًا من الواقع نحو عزلة إلكترونية صامتة، يصعب كسرها أو اختراقها.

 

عبرت أسماء مصطفى، أم لثلاثة أبناء فى مراحل عمرية مختلفة، عن قلقها قائلة: «بقينا نعيش فى بيت واحد بس مش بنشوف بعض، كل واحد فى أوضته، والهاتف فى إيده، حتى وقت الأكل بقى صامت، مفيش كلام ولا تفاعل»، مضيفة أنها حاولت منع استخدام الهاتف فى أوقات معينة، لكنها واجهت مقاومة كبيرة واتهامات بالتسلط.

أما محمد عبدالعال، موظف وأب لابنين فى المرحلة الإعدادية، فيقول إن التكنولوجيا لم تُعزل أولاده عن العائلة فقط، بل غيّرت سلوكهم: «ابنى بقى عصبي، بيرد بطريقة مش كويسة، وكل ما أطلب منه حاجة يقول لى بعد الجيم أو بعد اللايف، وممكن يقعد بالساعات وما يحسش إن اليوم راح».

وتضيف هبة مجدي، ولية أمر لطفلتين: «المشكلة مش فى التابلت أو الموبايل، المشكلة إننا كأهالى تعبنا ومش عارفين نتعامل. بنشتغل طول اليوم، ولما نرجع نلاقى ولادنا فى عالم تاني، إحنا نفسنا ما بقيناش نعرف نفك شفرته».

هذا الانفصال العاطفى والتواصل المقطوع بين الأهل والأبناء بات ظاهرة يومية، ومع غياب الحوار وندرة اللحظات المشتركة، تتزايد الهوة داخل الأسرة الواحدة، ما يفتح الباب أمام مظاهر إدمان رقمى واضطرابات نفسية وسلوكية تتسلل فى صمت.

المهندس-عمرو-صبحي،-خبير-أمن-المعلومات-والتحول-الرقمي 
المهندس-عمرو-صبحي،-خبير-أمن-المعلومات-والتحول-الرقمي 

مخاطر إلكترونية 

فى هذا السياق، حذر المهندس عمرو صبحي، خبير أمن المعلومات والتحول الرقمي، من أن الإجازة الصيفية تمثل ذروة تعرّض الأطفال للمخاطر الإلكترونية، نتيجة غياب الروتين المدرسى وضعف الرقابة اليومية، ما يجعل الطفل أكثر عرضة للانخراط فى بيئة رقمية غير آمنة.

وأوضح صبحى أن الفضاء الإلكتروني، رغم ما يتيحه من فرص، تحول إلى ساحة واسعة للتهديدات الخفية التى غالبًا ما تغيب عن أعين الأهل فى بداياتها، لافتًا إلى الانتشار السهل للمحتوى غير اللائق، من مشاهد العنف والإيحاءات الجنسية، إلى تحديات الحياة الخطرة التى تستدرج المراهقين إلى مخاطر حقيقية تحت غطاء الفضول.

وأضاف أن من يستغلون براءة الأطفال على الإنترنت يستدرجونهم لسلوكيات خاطئة أو يبتزونهم عبر صور ومحادثات، مشيرًا إلى أن التنمر الإلكترونى بات من أخطر التهديدات النفسية، لما يتسم به من خفاء وصعوبة كشفه فى مراحله الأولى.

وحذّر من أن الإدمان على الألعاب والتطبيقات لم يعد مجرد ترفيه زائد، بل يمثل أزمة تؤثر على الصحة النفسية والسلوك الاجتماعي، إذ يقود إلى عزلة وانفصال عن الواقع، تراجع فى الدراسة، اضطرابات النوم، بل وقد تصل إلى سلوكيات عدوانية أو انسحابية. كما أشار إلى خطورة التطبيقات الخادعة التى تستدرج الطفل للكشف عن بيانات شخصية أو بطاقات ائتمانية، ما يعرّض الأسرة للاحتيال الإلكترونى دون وعى الطفل.

وأكد صبحى أن الحل لا يكمن فى المنع التام، بل فى الفهم والتوجيه الذكي، داعيًا إلى الاستفادة من التكنولوجيا كجزء من الحل، لا المشكلة، من خلال أدوات رقمية آمنة وتطبيقات رقابية كـ«يوتيوب كيدز»، ومحركات بحث مخصصة للأطفال، شرط أن يكون ذلك تحت إشراف مباشر من الأهل.

وشدّد على أن التحول الرقمى لا يبدأ من الأدوات بل من الأسرة نفسها، مؤكدًا أن الأهل يجب أن يدركوا أن أبناءهم وُلدوا داخل عالم رقمى لا يمكن فصلهم عنه، والحل ليس فى العزل، بل فى المصاحبة والوعى والحوار. ودعا لوضع قواعد زمنية واضحة للاستخدام، مع مشاركة الأبناء فى اختيار المحتوى، وبناء جسور من الثقة تمنحهم الأمان فى البوح بأى تجربة مقلقة. واختتم صبحى حديثه قائلًا: «لم يعد السؤال هو هل نسمح باستخدام الإنترنت، بل كيف نضمن أن تكون التجربة الرقمية لأطفالنا آمنة ونافعة».

 

الأسرة أسيرة الهاتف

وفى السياق ذاته، أكدت د. أسماء مراد، إخصائية اجتماع المرأة والإرشاد الأسري، فى تصريح خاص لـ«الوفد»، أن استخدام الهواتف الذكية والإنترنت لم يعد مجرد وسيلة ترفيهية داخل البيوت المصرية، بل تحول إلى نمط يومى يهدد التوازن العاطفى والعلاقات الأسرية، خاصة مع حلول العطلات.

وأشارت مراد إلى أن الكثير من الأسر تفتقد اليوم أدوات الضبط والتوجيه لاستخدام الأبناء للأجهزة، مضيفة: «لكن دعونا نكون واقعيين؛ نحن أيضًا أسرى لهذه الأجهزة، فكيف نطلب من أولادنا ما لا نلتزم به نحن؟».

د.-أسماء-مراد،-أخصائية-اجتماع-المرأة-والإرشاد-الأسري، 
د.-أسماء-مراد،-أخصائية-اجتماع-المرأة-والإرشاد-الأسري، 

وحذرت من أسلوب المنع الصارم، مؤكدة أنه يخلق مقاومة وصدامًا مع الأبناء، وأن البديل يكمن فى خلق مساحات مشتركة للأسرة عبر الأنشطة والحوار، مشيرة إلى أهمية تخصيص لحظات خالية من الهواتف مثل وجبات الطعام، لإعادة بناء جسور التواصل داخل الأسرة.

وأضافت أن كثيرًا من الأطفال يُظهرون أعراضًا تشبه الإدمان فى تعلّقهم بالهاتف، والسبب غالبًا هو تقديم الأهل لهذا الجهاز كوسيلة للراحة أو الصمت، بدلًا من التفاعل الحقيقي. وتابعت: «نُحمّل الأبناء عبء الإدمان الرقمي، بينما ننسى أننا قد نكون من زرع فيهم هذا السلوك».

واقترحت بدائل حقيقية وبسيطة يمكن تنفيذها داخل الأسرة، كأن يلعب الأب البلايستيشن مع أولاده، أو تشارك الأم فى مشاهدة فيلم مع بناتها، معتبرة أن «هذه اللحظات الصغيرة هى التى تُعيد دفء العلاقات».

وأكدت أن سرّ نجاح هذه البدائل يكمن فى المشاركة لا الإملاء، داعية لتخصيص أوقات للألعاب الجماعية البسيطة التى تبنى التقارب، مشددة على أهمية أن يكون الأهل قدوة فى الاستخدام الواعى للأجهزة. واختتمت مراد بقولها: «صادقوا أبناءكم قبل أن يصادقهم العالم الخارجي، التوازن بين الدعم المادى والمعنوى هو السبيل الوحيد لحماية البيوت من الانفصال العاطفي».

 

أنشطة واقعية.. وخيال أوسع

من جانبها، شدّدت الخبيرة التربوية هالة فاروق، فى تصريح خاص لـ«الوفد»، على أن الأطفال الذين انخرطوا فى أنشطة واقعية خلال العطلة الصيفية، عادوا إلى المدرسة بخيال أنشط، وتعبير أقوى، واستعداد نفسى أكبر للتفاعل، مقارنةً بأقرانهم الذين قضوا عطلتهم بين الشاشات.

وأوضحت أن أثر الإجازة لا يتوقف عند الترفيه، بل يمتد إلى الجوانب النفسية والسلوكية، حيث يُظهر الطفل المدمن على الشاشات عند عودته للدراسة ضعفًا فى التواصل، صعوبة فى التركيز، وافتقارًا للحافز.

الخبيرة-التربوية-هالة-فاروق 
الخبيرة-التربوية-هالة-فاروق 

وحذرت فاروق من استخدام الهواتف المحمولة قبل سن السابعة، مؤكدة أن الاستخدام المبكر يؤثر على النمو الذهنى والانفعالي، ويُضعف من قدرة الطفل على الصبر والتركيز، خاصة عند غياب الإشراف الأسري.

وقالت إن مشاهدة بعض البرامج الكرتونية التعليمية تحت رقابة الأهل قد تفيد فى تنمية مهارات الطفل، لكنها ليست بديلًا عن الأنشطة التفاعلية، مشددة على ضرورة توجيه التكنولوجيا لخدمة الإبداع والتعليم، من خلال تصميم فيديوهات أو استخدام تطبيقات الرسم، شرط أن يكون ذلك ضمن بيئة آمنة وتحت رقابة صارمة.

كما نبهت إلى خطورة السهر أمام الشاشات، مؤكدة أنه يسبب اضطرابات فى الساعة البيولوجية، ويؤثر سلبًا على النوم، ما ينعكس على الطفل فى صورة تشتت وانفعالية وضعف الالتزام. وأضافت أن التحفيز الرقمى الزائد يؤدى إلى إضعاف الروابط الأسرية وسلوكيات متقلبة.

ودعت فاروق إلى استثمار العطلة فى الدمج بين الترفيه والتعليم، عبر أنشطة بدنية كالألعاب الجماعية، أو الفنية كالرسم والتمثيل، ومهام منزلية تعزز الثقة والاستقلالية. كما أوصت بتشجيع الأطفال على إنتاج محتوى رقمى هادف، والمشاركة فى مبادرات مجتمعية تعزز الانتماء.

واختتمت تصريحها بالتأكيد أن العطلة الصيفية تمثل فرصة ذهبية لتشكيل شخصية الطفل نفسيًا واجتماعيًا، شرط إدارتها بوعى من الأسرة، مشددة على أهمية الحوار اليومى مع الطفل، والاستماع إلى أفكاره ومشاعره باعتباره السبيل الحقيقى لبناء علاقة إنسانية متوازنة تنمو فى بيئة صحية.