فخريات
اعلم صديقى العزيز أن الطريق ليس ملكًا لأحد، بل هو مساحةٌ مشتركةٌ تتعانق فيها خُطى الناس، وتمرُّ بها أرواحٌ مثقلةٌ، وأخرى مشرقة، فمَن أحسن فى الطريق، كأنما طيّبَ أرضًا تمشى عليها القلوب قبل الأقدام.
حاول أن ترَقْبُ َكلامَ النبى صلى الله عليه وسلم حين قال : «إياكم والجلوس فى الطرقات، قالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بدٌّ، قال: فإن أبيتم إلا المجالس، فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غضُّ البصر، وكفُّ الأذى، وردُّ السلام، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر».
بشيء من التأمل ستدرك أن قول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو وصيَّة تُعلى من قيمة الإنسان، وتُشعر المارَّ بأن كرامته محفوظة، وأن عينَه مصونة، وأن أذنَه لا تجرحها كلمة، ولا تُخدَشُ مشاعره بنظرة، ولا تُسمَح لخطواته أن تتعثرَ فى أذى.
من خلال هذا النَّفَسِ المحمدى المنير ندرك حق الطريق، وهو أن تكون نَسمةً لا شوكًا، وأن يكون وجودك فى الطريق راحةً للنفوس لا وجعًا لها، وأن تمرَّ كالماء، رقراقًا، نافعًا، لا يحمل أذًى، وأن تَترك المكان كما أحببتَ أن تجدَه، بل ربما أجمل.
1. غضّ البصر: فالطريق ليس مكانًا لصيد العيون، بل مكانٌ لحماية العيون، فإذا مرّ بك مَن لا يحلّ لك النظر إليه، فغضُّ البصر عبادة، وصيانة للكرامة.
2. كفُّ الأذى: لا تلقى قمامة، لا تُغلق طريقًا، لا تزعج الناس بصوت السيارة، لا تقتحم خصوصيات الناس، فكل أذى فى الطريق هو خيانة للأمانة، وسوء أدبٍ مع الناس ومع الله.
3. ردّ السلام، ولين الجانب: فالطريق ليس عُزلة، بل مساحة تواصل راقٍ.. ابتسامتك صدقة، وسلامك أمان، وكلماتك الطيبة لها أثر فى القلوب.
4. مساعدة الضعفاء والعاجزين والعابرين: أن تمسك بيد كفيف، أو تساعد كبيرًا فى العبور، أو تُعطى طريقًا لامرأة تحمل طفلًا، فهذه عبادة لا تُقارن بثوابها صلاة بلا خشوع.
5. القيادة المهذّبة: السواقة المؤدبة هى جزء من الحفاظ على حرمة الطريق، فلا سرعة متهورة، ولا وقوف عشوائى، ولا طيش يُزهق الأرواح.
6. احترام خصوصية الناس: الطريق ليس ساحةً للفضول، ولا مرصدًا لأخبار الآخرين، فكل إنسان له حرمته، حتى لو كان مارًّا لا تعرفه.
إن حق الطريق صديقى العزيز هو ذوقٌ فى الابتسامة، ورقيٌّ فى الخطوة، وحياءٌ فى النظرة، ووقارٌ فى الهيئة، وحرصٌ على ألا يكون وجودُك سببًا فى ضيق أو حرج أو نفور.
فاحفظوا حق الطريق، فهو عبادةٌ تمشى، وأخلاقٌ تُزرع، ورسالةُ سَلامٍ بلا كلام.
وحاول صديقى العزيز أن تحوّل قولَ النبى صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم الناس من لسانه ويده» إلى واقع عملى فى الحياة، فهذا الحديث ليس مجرد تعريفٍ للإسلام، بل هو رسمٌ لجمال المسلم فى حياته بين الناس.
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل: المسلم من صام وصلّى فقط، بل قال : «من سلم الناس»، أى أن الإسلام الحقيقى لا يُقاس بكثرة العبادات فقط، بل يُقاس أيضًا بمقدار السلام الذى يفيض منك على مَن حولك.
ولاحظ قوله صلى الله عليه وسلم: «من لسانه..»، وتأمل معى كم من لسان جَرح، وآلم، وحرّض، وفرّق بين فردين أو أسرتين أو عائلتين أو مجتمعين أو أعظم من ذلك فالمؤمن الحقيقى لا يُخرِج من فمه إلا طيب الكلام، كأن كلماته عطرٌ يُسكب، لا سُمٌّ يُنفث.
لسانه ليس سيفًا، بل بلسمًا، لا يغتاب، لا يشتم، لا يكذِب، لا يسخر من أحد، بل يكون كما قال تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا).
وانتبه إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «.. ومن يده..»، أى يده لا تُؤذى، لا تسرق، لا تضرب، لا تلوّث، بل هى يدٌ تُعطى، تُعين، تمسح دمعًا، وتربّت على كتف يتيم، يده تشبه قلبه.. نظيفة، رحيمة، ممتدةٌ بالخير.
فى هذا الحديث، كأن النبى صلى الله عليه وسلم يقول: «كن سلامًا ماشيًا على الأرض، كن أمانًا متنقلًا بين الناس، كن مَن يذكره الناس فى دعائهم، لا فى آلامهم.»
هكذا ينبغى أن يكون الإنسان، هو الذى إذا مشى فى الناس، شعروا بالطمأنينة، وإذا غاب، افتقدوا رقة خُلقه، لا أن يرتاحوا من شرّه وأذاه.
وهنا رسالة لا بد منها إلى كل سائق على الطريق
أيها السائق، حين تبدأ بقيادة سيارتك، فاعلم أنك تمسك بأعمارٍ لا تَعرفها، بعائلات تنتظِر، بقلوبٍ تَرجو، بأطفالٍ قد تكون فى طريقهم، وأنت لا تدرى.
الطريق ليس ساحة استعراض، ولا مسرحًا لإثبات الذات، بل هو أمانة، كلُّ مترٍ فيه يحمل حقًّا للآخر، وكل ثانيةٍ فيه قد تكون فاصلةً بين حياةٍ وموت.
ومن هنا فإن السواقة المستهترة تسرق الأرواح بلا صوت، تكسر البيوت بلا جريمة، وتزرع الأحزان فى القلوب بلا سابق إنذار.
إن السواقة المستهترة ليست مجرد خطأ فى عجلةٍ أو سرعةٍ زائدة، إنها استهتارٌ بالحياة، وبالقلوب التى تنتظر عودة الأحبة.
فرفقًا بأنفسكم، وبالناس، واذكروا أن السيارة ليست قوة، بل مسؤولية، وليست تفوقًا، بل أمانة، ومن خان الأمانة، خان إنسانيته قبل أن يُخالف القانون.
خفّف السرعة والتزم التعليمات ولا تخالف قوانين المرور واحفظ نفسك من سرعتك، من عجلة طيشك، من هاتفك فى يدك أثناء القيادة.. فالحياة أغلى من لحظة طيش، وسلامة الناس أجمل من نشوة لحظةٍ عابرة.
كما يُطلب منك أيها السائق أن تتأدّب فى القيادة، فهى مرآة خلقك، وأن تكون راقيًا فى السواقة، فالرقيّ لا يُقاس بالشدة، بل بالضمير.
اجعل قيادتَك عبادة، وتذكّر أنك محاسب على كل روحٍ أُزهقت، وكل ألمٍ سُبّب، وكل صرخةٍ دوّت بسببك، خَفِّف السرعة.. فالذين تحبهم ينتظرونك حيًّا، لا خبرًا مؤلمًا فى الهاتف. اللهم اجعلنا ممن يسلم الناس من لسانهم وأيديهم، واجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وسلامًا فى حياة كل مَن حولنا.
رئيس الإدارة المركزية لشئون القرآن بالأوقاف
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض