تجلَّت قدرة الله وعظمته بأن رمز «العدل والحق» هما أساس كلمات أسمائه الحسنى. واقتضت سنته وشريعته الملزمة لعباده المستخلفين فى الأرض، والضمانة الكبرى لإعمارها، بأن يمتد «العدل والحق» ويزداد وينتشر بين الناس فيها، كما أنزله فى كتابه المكنون، بقوله تعالى: «وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ» الآية رقم (٥٨) من سورة النساء، وقوله: «فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ» الآية رقم (٣٢) من سورة يونس. فما أحسن لغة القرآن إذ قال الله لعباده: «وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا» الآية رقم (١٨٠) من سورة الأعراف.
وقد خصَّ الله من عباده المؤمنين الصالحين من يتولى الاهتمام بأمرهم لمن يحكم بقضائه العادل بينهم. ولعل من أقدس الواجبات، «وقدس الأقداس»، أن تبسط الدولة نصوصها القانونية لجميع المسائل على مواطنيها، ويضطلع بها أولو الأمر من رجال قضاء مصر العادل لتطبيقهم وتناولهم لألفاظ هذه النصوص أو فى فحواها، لجعل مصر أرقى الدول التى يطمئن فيها الناس على حياتهم وأموالهم وحرياتهم الشخصية وعقائدهم الدينية، لإقرار الحقوق والحريات وإقامة شريعة «العدل والحق» متفقين؛ لأنه عندما يقرر القاضى حكمه فهو عنوان الحقيقة. وعندئذٍ، تكون العدالة أحوج إلى قوة التنفيذ والإجبار من «الشرطة» لتنفيذ أحكام «رجال السلطة القضائية»، حتى تضمن عودة الحقوق فى نصابها، ورد الاعتداء، وعدم الانحراف عن الحق إلى الباطل، وفصل المنازعات بين الأشخاص؛ لكى يضمن كل فرد حقوقه فى غير شطط ولا جمود ولا جحود.
بديهى أن قوة الدولة تقاس بمدى قوتها العسكرية والأمنية، ثم مضافًا إليها قوتها الاقتصادية ونتائج أبحاثها العلمية، وقضاء يؤدون أقدس وأشرف رسالة تتولاها منصات المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، لأنه لا سلطان عليهم فى حكمهم وجهدهم الصالح لغير القانون. وكل هذا يخلق مجتمعًا إنسانيًا قويًا تنهض وتتقدم به الأمم. إن مجتمعًا من غير قضاء وقوة تنفيذ وإجبار لتنفيذ أحكامه يكون أقرب إلى الفوضى والهياج والتخلف والعنف، ويصبح فيه الجهل والإجرام منتشرًا بين جميع أفراده، ويعم الفساد والرشوة والتعدى على الأموال العامة والخاصة، وعلى أملاك الدولة وسلب حقوق الغير. بل تغيب دولة القانون ويزداد النشاط الإجرامى وينشط، وتتوحش القسوة على الضعفاء وإذلال نفوسهم، وكلها جرائم تهدد كيان المجتمع ويشرف فيه على فنائه.
ولحماية المجتمع من تلك الفئات الضالة، ومحاسبة كل مخطئ سبب ضررًا للغير سواءً كان ماديًا أو معنويًا، فإن كل شخص قد تعرض لتلك الأعمال غير المشروعة من حقه أن يلجأ إلى القضاء صراحةً للحصول على حقه المسلوب قانونًا، وله الحق بتحرير محضره فى أى مركز أو قسم شرطة تابع له، أو حتى يحرر محضرًا أمام سيادة النائب العام شخصيًا أو النيابة العامة التابعة لمحل سكنه؛ لأن النيابة من شجرة «القضاء» وجزء لا يتجزأ منه، تتولى التحقيق وتحرك الدعوى الجنائية، أو إقامة دعوى جنائية مباشرة أمام المحاكم المختصة، أو أى جهة شرعية يتوجه إليها لأن غايته هى حماية حقه. وكلها أفعال مشروعة نص عليها القانون على أن يذهب المدعى لأخذ حقه من المدعى عليه بقوة القانون كلما اقتضت مصلحته فى ذلك، لأنه اتخذ طريق الصواب لكفالة الحق، فى ظل حماية المشروعية القانونية التى تقضى بها العدالة القضائية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض