رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

على فكرة

لم أكن أعرف الكاتب الصحفى «توماس جورجيسيان» بشكل شخصى، هاتفنى مرة دون سابق معرفة من واشنطن، ثم انقطع الاتصال. كل ما أعرفه أنه أرمنى مصرى يحمل الجنسية الأمريكية ويعيش فى واشنطن منذ عام 1991، مراسلًا لعدد من الصحف المصرية. كنت أقرأ له فى الصحف والمجلات المصرية المختلفة مقالاته، التى تحمل روحًا هائمة متيمة بالأدب والفن والثقافة والصحافة، وهى روح قلقة لا تكف عن النزوع إلى نقل ما تعرفه، إلى القراء لحثهم على تأمل موطن الجمال والقبح فيما يعرضه، وحفزهم على تلقيه بعقل ناقد، وليس كمتلقٍ سلبى. وهو فضلًا عن ذلك شخصية مثقلة بتاريخ مأساوى مرير لمذابح الأرمن التى قامت بها جمعية الاتحاد والترقى فى الدولة العثمانية ضد الأرمن أثناء الحرب العالمية الأولى، حينما كان جزءًا من أرمينيا التاريخية خاضعًا لسيطرة الدولة العثمانية، وكان أفراد من عائلته هم بعض ضحاياها من القتلى والمشردين.
التقيت توماس للمرة الأولى منذ بضعة أسابيع، فى الاحتفالية التى أقامتها الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، للاحتفاء بصلاح عيسى، والاحتفال بافتتاح مكتبته التى استقرت بجمال ووقار وأمان فى أحضان الجمعية، وتحت رعاية مشرفيها ومؤرخيها. استقبلنى بمرح طفولى، وخفة ظل وابتسامة لا تفارق وجهه. ولم تكد تمضى بضع ثوانٍ، حتى بدا كأننا أصحاب صداقة ممتدة عبر السنين. وسرعان ما أدركت أن توماس لم يكن يخصنى وحدى بحميمية اللقاء، فهو يقابل كل من يعرفهم أو لا يعرفهم بابتسامة عريضة تملأ قسمات وجهه الطفولية، وكأنها رسالة محبة، ودعوة للتقارب والتلاقى. لكنها هذه المرة ممزوجة بسعادته الغامرة لصدور كتابه الجديد، الذى صدر مؤخرًا عن دار الشروق تحت عنوان «إنها مشربية حياتى.. وأنا العاشق والمعشوق»، وهو العنوان الذى يعود بك إلى ما يذكرك بفن الأرابيسك الذى كان معلمًا من معالم الحضارة العربية والإسلامية، وتم به زخرفة شبابيك المنازل والقصور والمساجد والدواوين بالخشب والزجاج المعشق والمعادن، وهو عنوان يليق بمثقف قاهرى، جاب أحياء القاهرة وعشق حواريها وشوارعها، وحفظ تفاصيلها ومقاهيها، ولا يزال مثلنا يتوق شوقًا لاستعادة معالمها الضائعة!
الكتاب سيرة ذاتية تنبض بالحياة، للأسرة الأرمنية المصرية التى انتمى إليها وتربى فى ظلها وللمناخ الاجتماعى والثقافى والصحفى الذى نشأ وعاش فى ظله فى واحد من أعرق وأجمل أحياء القاهرة وهو حى شبرا، وهو المناخ الذى منح حياته ثراءً ثقافيًّا وفنيًّا ومعرفيًّا وحبًّا لا ينفرط فى مهنة الصحافة، التى اعتزل من أجلها مهنة الصيدلة، لكى لا يشرك فى محبتها شريكا.
بطلة تلك الأسرة هى الأم التى لم تكمل تعليمها، وعلمت نفسها بجهد ذاتى، ومن ثم علمت أبناءها الخمسة فضلًا عن اللغتين العربية والفرنسية، اللغة الأرمنية وما ارتبط بها من أساليب حياة وثقافة وفنون غناء وشعر وأدب، وحتى طبيخ. إنه الدرس الأهم الذى حفظه الكاتب عن ظهر قلب: إبقاء الذاكرة حية ونقل تاريخها وتفاصيلها من جيل إلى جيل. أما الأب الموظف الذى أورثته كارثة فقد الإخوة والأقرباء فى رحلة الهجرة إلى مصر صمتًا، عجز الابن عن فهمه وتبريره، ولعله كان صمتًا يبتلع ألم الفقد، بما لا يلقى بظله العابس على الأبناء، بل هو يلقنهم فى الوقت نفسه أن السكن عزوة.. ويشير إلى جدران الشقة الضيقة والمتسعة بالمحبة والتسامح والمتسلحة بالثقافة: هو أنتم مش عارفين قيمة السقف اللى فوق راسكم ده إيه.. ربما يريد القول إن السكن وطن، تمنح جدرانه لأهله السكينة والأمان.
كتاب ممتع يحفظ بالحكى تاريخ الفنانين ورسامى الكاريكاتير والصحفيين والموسيقيين الذين لمعوا فى سماء مصر من أصول أرمنية، وهو جزء آسر من تاريخ مصر المثقفة الفنانة المتسامحة.