ضيف رمضان الداعية الإسلامى د. عمرو خالد:
أسعى إلى تقديم منهج دعوى تربوى مستنير
النبى حارب ظاهرة «الغلو» منذ عصر الرسالة
الإسلام يريد مجتمعًا ينجز و يعمل أكثر مما يتكلم
نحتاج إلى منظومة متكاملة للتوعية بخطورة التطرف
فى البداية.. ماذا عن رسالتكم فى الحياة والهدف الذى تسعى إليه؟
− أريد المشاركة فى بناء إنسان مصرى وعربى ناجح محب لوطنه يحب الحياة، يحب الإيمان بلا تطرف يريد أن يخدم وطنه، يبدع ويصلح، إنسان فى مجمله − متوازن بكل المقاييس، ومنهجى بسيط بعيدًا عن السطحية.
< د. عمرو.. قضية الغلو أصبحت سمة عند بعض الشباب، هل يمكن اعتبار الغلو فى الدين سببًا من أسباب التطرف الذى يعيشه بعض شباب الأمة وانسياقهم تجاه الإرهاب؟
− الغلو ظاهرة يحاربها النبى منذ عصر الرسالة، فما غضب قدر ما غضب ممن عنده غلو فى الدين، فقد قال رسول الله: (هلك المتنطعون.. أى ∩المتشددون∪) فأول من حارب فكرة الغلو هو النبى، فقد جاء ثلاثة إليه يسألونه عن عبادته فكأنما استقلوها، أى شعروا بأنَّ عبادة النبى قليلة، فقال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، والثانى قال أما أنا فأقوم ولا أنام أما الثالث فقال: أنا لا أتزوج النساء، فغضب النبى جداً، وقال أما أنا فأصوم وأفطر وأنام وأصلى وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتى فليس منى، فكأنَّ النبى يقول: إنَّ التشدد ليس من سنته، ولذلك فالمتشددون وكل ما يؤدى إلى التطرف ليس من سنة النبى فى شىء.
< هل يمكن أن يكون الحوار وسيلة لشرح معنى الوسطية وإدخال مفاهيمها فى نفوس الناس؟
− ليس الحوار فقط، لكن بالحوار والتوعية والميديا والإعلام وخطب الجمعة والتدريب، فنحن نحتاج إلى منظومة متكاملة يشارك فيها الدعاة والمنابر والإعلام والبرامج الدينية والتوك شو لتوعية الشباب بخطورة التطرف وحمايتهم منه.
< ماذا عن أهداف برنامجك ∩السيرة.. حياة∪ التى سعيت إلى طرحها؟
− إنَّ السيرة ليست مجرد حكايات للتسلية، السيرة مواقف وعبر ودروس، مواقف صنعت النجاح، ودروس نتعلم منها كيف نبنى الإنسان، هذه هى الأهداف التى سعيت لها خلال البرنامج، والذى يدور حول فترة ما بعد هجرة النبى من مكة إلى المدينة، وأركز فيها بشكل أساسى على بناء الإنسان.
< وما الدافع والمنطلق لاختيار فكرة البرنامج؟
− هو السعى لتقديم السيرة فى صورتها الإنسانية الحقيقية بعد أن تعرضت للتشويه أو الاختزال فى الجانب العسكرى فقط، إذ إنَّ السيرة النبوية عُرضت خلال المائة سنة الأخيرة على أنها سيرة تنظيمية عسكرية حربية سرية، وتم اختزالها فى غزوات بدر، وأحد والخندق وخيبر وفتح مكة ووفاة النبى، وهذا التصور الخاطئ فى فهم السيرة خلق فجوة بينها وبين الناس، فلا يجد الشباب نفسه، وخلت من معنى الرحمة للعالمين، وهى الهدف الأسمى من رسالته ، فقد كان بناء الإنسان هو الشغل الشاغل للنبى بعد هجرته من مكة إلى المدينة، فخلال الفترة التى أقامها النبى بالمدينة بلغ عدد غزواتها سبعًا وعشرين غزوة لم تستغرق جميعها أكثر من 540 يومًا، يعنى أقل من سنتين انشغل خلالها المسلمون بالحروب وأكثر من ثمانى سنوات كان التركيز خلالها على الحياة، بناء إنسان، بناء حضارة، وبناء الأخلاق والقيم، وإنتاج وحب وطن، فضلًا عن الفترة التى أمضاها النبى فى مكة ونشر الدعوة ليتضح أنّ 7٪ فقط من حياة النبى كانت حروبًا، لذا فمن يعتبر التعامل مع السيرة على أنها حروب فقط، هو تحريف لها ومن ينظر إليها وفق هذا المنظور فهو يبرر الحرب والصراع تحت اسم النبى، فالنبى أراد أن يخلق مجتمعًا ناجحًا ويزرع حب الوطن فينا، فالسيرة ما سميت سيرة إلا لأننا نعيش بها فى الحياة.
< وهل ترى أنَّ السيرة اختطفت من قبل التيارات المتطرفة؟
− نعم، لقد اختطفت السيرة النبوية من قبل التيارات المتطرفة واختزلوها فى جانبٍ واحدٍ، لكن من الضرورى أن نعلم أنَّ السيرة ليست صراعًا وإنما هى حياة نتعلم منها حتى اليوم، الحب، الرحمة، الإبداع، القيم، الأخلاق، النجاح، السعادة، الحياة الجميلة.
< وما الذى طرحته أيضًا على مدار حلقات البرنامج؟
− استعرضت تلك الجوانب التى يغفل عنها الكثيرون عند الحديث عن سيرة النبى من خلال تقديم مختلف الصور، فقد كان النبى قاضيًا وداعيًا ومصليًا وقائدًا وزوجا وأبًا و∩حما∪، عاش حاكمًا ومحكوماً، عاش أعزب، ومتزوجًا من امرأة واحدة ومتزوجًا من عدة نساء، زوَّج بناته ودفن أولاده ∩ولدين و3 بنات∪ دفنهم بيده، عمل راعى غنم وتاجرًا، بنى مؤسسات، أقام حضارة، ولذلك فالإنسان المسلم يجد كل احتياجاته الإنسانية فى السيرة النبوية، فى النبى ، ولن تجد نبيًا ولا مصلحًا، حياته غنية بكل احتياجات الحياة إلا رسول الله ، لذلك من أسمائه فى كتب السنة ∩الجامع∪ لأنه الجامع لاحتياجات الإنسانية، لذا ينبغى أن نقتدى به فى وفاته ورحمته وعفوه وأخلاقه.
< وهل هناك فرق بين حياة النبى وعصره؟
− نعم.. إذ إنَّ حياته تظل باقية، ومن أراد أن يسير على سنته أن يقتدى به فى حياته، إلا أنَّ ذلك لا يعنى أنَّ نعيش عصره دون أن نراعى التطورات المذهلة التى شهدها الكون، فهناك اختلاف فى الزمان واختلاف فى البيئة، لكن هناك من فهم الأمر على أنَّ الحياة تجمَّدت عند عصر النبى، فنلبس مثلما كان يلبس ونركب مثلما كان يركب دون أى تغيير حتى لا نكون أصحاب بدعة، وهناك فريق آخر يرى أنَّ حياة النبى التى مضى عليها أكثر من 1400 سنة لا تصلح لهذا الزمن على الرغم من أنه نفسه يعيش بأفكاره أرسطو وسقراط وهما من قبل الميلاد.
< إذن، ما الحل؟
− أن نعيش حياة ∩النبى∪، طريقة حياته، أخلاقه، وأفعاله، وليس عصر النبى، الزمن الذى كان يعيش فيه.
< وما الذى يريده الإسلام منا؟
− إنَّ الاسلام يريد مجتمعًا ينجز، وليس مجتمعًا يتكلم أكثر مما يعمل، والله تعالى يقول: ∩آمنوا وعملوا الصالحات∪ أى أنتجوا.. ابنوا.. عمروا.. أصلحوا، هذا هو ديننا، دين إيجابى بنائى.
< وماذا عن برنامجك الجديد نبى الإحسان− رمضان 2025؟
− أواصل هذا العام سلسلة برامجى عن الإحسان، والتى تهدف إلى إحياء قيمة الإحسان كمنهج حياتى شامل. وأقدم خلال شهر رمضان هذا العام برنامج ∩نبى الإحسان∪ فى حلقات يومية شاملة بصحبة شباب وبنات من عدد من الدول العربية والإسلامية، أسلط فيها الضوء على الإحسان فى حياة النبى مع نفسه من خلال مواقف وقصص من السرة النبوية والتى تقدم 30 طريقة نبوية فى التعامل مع التحديات الحياتية، والأزمات والعلاقات الاجتماعية والإنسانية مستلهمًا العبر من السيرة النبوية.
< بماذا ترد على الانتقادات والهجوم الذى تعرَّضت له على ∩السوشيال ميديا∪ عقب الإعلان عن برومو برنامجك ∩السيرة.. حياة∪؟
− كيف نكون تنويريين وندعى التنوير، ونحكم على شىء قبل أن نراه، أليس ذلك حكرًا على الفكر، كما يغضبون من أى حكر على الفن مثلاً، مثلما يقولون لا الاحتكار على الكفر فأنا أحارب التطرف، وأقدم دورًا وطنياً، وأمتلك الأدوات التى أستطيع محاربة التطرف بها، فأنا أتحدث فى الدين والشباب، فمن يهاجموننى ويدَّعون أنهم يحاربون التطرف هم فى الحقيقة يساندون التطرف، فهم لا يمتلكون الأدوات لذلك، ولا يريدون لمن يمتلك أدوات محاربة التطرف، وأقول لهم هل قرأتم لى، هل شاهدتم البرنامج حتى يتم الحكم عليه سابقًا، فأين من يدعون أنهم يؤمنون بحرية الكفر، ويهاجمون برنامجًا لم يروه، والبرنامج يتحدث عن مواجهة التطرف، وأنا أقوم بدورى بحماية الوطن من التطرف، فبأى عقل ومنطق يتحدثون؟
< إذن، هل نستطيع أن نقول إنَّ برامجك تسعى لنشر مفهوم التدين المصرى الصحيح؟
− طبعاً.. فأنا مؤمن تمامًا بأنَّ التدين المصرى، أجمل ألوان التدين التى من الممكن أن تراها فى العالم الإسلامى، وهذا ليس تحيزًا لأننى مصرى، لكن لأنه تدين سهل، وبسيط وقريب من الفطرة السليمة، قريب من منهج النبى ، لذلك أحب التدين المصرى ومؤمن به، وأرى أنه الأسهل والأقرب لطبيعة الإسلام.
< من واقع برامجك.. كيف تصدَّى النبى لمعاول هدم الدولة؟
− النبى فى الحقيقة، واجه فكرة الطابور الخامس، وواجه فكر الذين يتشدقون بأنهم معه وهم فى الحقيقة يهدمون الوطن، واجهه بطرقٍ مختلفةٍ، وأحيانًا بالمواجهة الحاسمة، وأحيانًا كان يخبر الصحابة بأسمائهم بالتفصيل، فقد فعل النبى كل ذلك لدرء المخاطر.
< هناك اتهام للدعاة الجدد بالسطحية فى الدين وأنَّ منهجهم لا يقوم على دراسةٍ متخصصةٍ فما ردك؟
− أى شخص يحاول أن يقوم بفكرة الدعوة دون أن يكون لديه رصيد حقيقى، فهذا غير مقبول، وعلى سبيل المثال فقد حصلت على الدكتوراه فى الشريعة الإسلامية وأدعى أننى تتلمذت على يد مدرسة علمية كبرى وهو الدكتور على جمعة المفتى الأسبق واستفدت كثيرًا من الدكتور عمرو الوردانى، مستشار دار الإفتاء، ووصيتى للدعاة الشباب أن يحترموا العلم والتخصص، وأن يكونوا مؤهلين، فالتسطيح لا يبنى نجاحًا.
< مشروع الدكتور عمرو خالد الآن هو إحياء الإحسان.. فلماذا هذا المشروع؟
− يعيش العالم⊇الإسلامى حالة من⊇الفراغ⊇الفكرى والروحى لعدم وجود مشروع فكرى روحى معاصر⊇وشعبى يخاطب عموم المسلمين وليس النخب المثقفة فقط.. ويجيب عن أسئلة واشكاليات العصر.. ويقدم حلولًا عملية تحقق للناس الطمأنينة والسلام النفسى المفتقد فى عالمنا.. ويتسم بالتوازن بين المادية والروحانية.
الروحانيات التى قُدِّمت فى العالم العربى فى المائة سنة الأخيرة (من وجهة نظرى) تفتقد إلى المنهجية العلمية، وتفتقد إلى البناء التربوى المنهجى لصناعة إنسان⊇مستنير⊇متوازن. فلم يطرح⊇فى العالم العربي (على قدر علمى)⊇طوال⊇القرن الماضى مشروع روحى علمى منهجى معتدل يرتقى بالأخلاق ويساهم فى تطوير الحياة العملية.⊇
ويمكن لنا أن نصف المحتوى الروحانى الذى قُدِّم خلال القرن الأخير بـ∩الروحانيات العشوائية∪⊇فقد⊇ظلت⊇القيم الروحية⊇بعيدة عن حياة الناس ومصالحهم وأرزاقهم.. فنشأ التطرف، لأنَّ القيم الروحية⊇تحولت إلى طاقةٍ ضخمةٍ غير⊇موجه⊇فى قنوات تصريفها الطبيعية التى أوجد الله الروحانيات من أجلها فخرجت فى أشكال عشوائية أو متشدد أو عنيفة.
وبناء على كل ما سبق؛ فقد صارت الحاجة شديدة عربيًّا وإسلاميًّا لوجود منهج روحى تربوى مستنير ومعتدل يحقق توازنًا روحانيًّا يواجه المادية المفرطة⊇وفى الوقت نفسه يمد الحياة والمجتمع بمجموعة من أخلاق التواصل الإنسانى ومهارات النجاح فى الحياة؛ فتكون الروحانيات فى هذا المنهج وسيلة لإعمار الحياة، وليس للهروب من الحياة.. وهذا هو ما نقدمه من خلال مشروع الإحسان.
< وماذا عن أهداف هذا المشروع؟
− تقديم منهج روحى تربوى مستنير يمد من يعيش به بالسكينة والطمأنينة ومقومات الصحة النفسية وينتج مجموعة من القدرات والمهارات الأساسية للنجاح والتفوق فى الحياة العملية.. ويتسم هذا المنهج⊇بكونه⊇أصيلًا فى جذوره الروحية الإسلامية⊇وفى الوقت نفسه⊇معاصرًا فى تفاعله مع الأجيال الجديدة..⊇كما يتسم بأنه⊇شعبى سهل يصل لعموم المسلمين وفى الوقت نفسه مرن وغير تصادمى..⊇يدعم⊇بناء الوطن ويسهم فى التعايش⊇العالمى..⊇وخلاصة ذلك هو الوصول إلى أجيال من الشباب والبنات والنساء والرجال تعيش⊇بثقافة الإحسان روحًا وأخلاقًا ونجاحًا فى الحياة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض