رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

بدون رتوش

فى الحادى والثلاثين من أكتوبر الماضى حلت الذكرى الرابعة عشرة لرحيل العالم والمفكر والفيلسوف والأديب الدكتور «مصطفى محمود». ما زالت ذكراه تعيش معى. عشقت أسلوبه البارع النابض بكل الأحاسيس والمشاعر، والذى عكس من خلاله طبيعته التلقائية الرحبة التى تسع الحياة بكل جوانبها. أسلوبه الذى سلط الضوء عليه كعالم وفنان وفيلسوف وباحث ومتصوف ونابغة. إنه النموذج المبهر فى الفكر والعلم والبحث. شدنى إليه بعده عن الأضواء. كان زاهدا فى الشهرة والنفوذ والثروة، لهذا حاز النجومية عن جدارة، واحتل مكانته فى قلوب الجميع، وعاش متعبدا فى محراب أفكاره ورؤاه.

كنت أعاود زيارته كل فترة أتلمس خلالها ومضاته الفكرية ومعتقداته الإيمانية التى انفرد بها. كان يرى أن الركون إلى الماديات موت وليس مجرد ألم. أدرك بحكم الخبرة والمعايشة أن الحياة المادية الواقعية الصرفة أشبه شيء بالسقوط ونوع من السطحية، وسط المعايشة لا توجد حقيقة ثابتة فى نظره اسمها فلان، وإنما نحن أمام ردود فعل وأنماط سلوكية تتداول على الإنسان كما تتداول الفصول بأجوائها المختلفة على الأرض، وكما تتعاقب تحولات الليل والنهار. فى كل لقاء جمعنى به رأيت صولاته وإمكاناته العديدة التى جمع فيها بين إحساس الأديب، وإدراك الفيلسوف ونظرة العالم، وخاطرة المتصوف وشاعرية الشاعر ورهافة حس الإنسان المبدع. كان يؤمن بأن غلبة العاطفة على العقل من سقطات الإنسان. ورغم ذلك تنازعت عليه الأحوال، فلم ينج من فترات تعلن فيها عاطفته ثورة ديكتاتورية محتدمة ليتراجع عقله فى الظل.

كما لم ينج من فترات استخدم فيها العقل للتبرير وتزويق المسائل. لم يسلم من الضعف، وأبرز جوانب ضعفه تجسدت فى المرحلة الأولى عندما كتب «الله والانسان»، و«إبليس». أما أصفى وأطهر فترة فكانت التى كتب فيها «التفسير العلمى للقرآن بداية من 67 إلى عام 75». إنه «مصطفى محمود» أيقونة الحياة الذى لا يضارع. كان مقنعا الى اقصى درجة وتأكد هذا فى برنامجه «العلم والإيمان» الذى شد من خلاله نوعاً من الوعى الكونى. كان دوره إثارة الذهن، وهو لا يقوم بفقه أو تفقيه، كما أنه ليس بخطيب على منبر يتحدث من علٍ وإنما يتحدث كواحد منا. فيه عيوبنا وسقطاتنا وضعفنا، ولذلك سرعان ما تشعر بالتحام مشترك بينك وبينه.

إنه «مصطفى محمود» الشاعر الفنان الذى أحب الإله فنظم فيه قصيدة، وأحب الدين فبنى مسجداً، ووضع مؤلفات «القرآن محاولة لفهم عصرى»، و«رحلتى من الشك إلى الإيمان»، و«الطريق إلى الكعبة»، و«من أسرار القرآن»، و«الله». كتب كل هذا بعبارة فنان ووجدان محب. يقول لى: (دخلت الدين من باب الفن وحب الجمال والمعرفة، ومن باب الفضل الإلهى). أحيانا كان يستغرقه شرود انفعالى ريفى ينسيه حاله، وكلها صفات من لعنات الفن التى تصيب الفنان فتأخذه فى دوامة خواطره وأفكاره، وهى عيوب قد تضيف إلى الفنان بقدر ما تسلب منه كرجل عادى.

المسجد العصرى الذى بناه أظهره كشاعر فنان، وأسأله: كيف بإنسان علمى بطبيعته غارق فى المادة إلى أقصى درجة أن يقيم إطارا مثاليا لما يجب ان يكون عليه الدين، يجسد الدين المرتبط بالحياة تجسيدا نقيا لا تشوبه شائبة؟ ثم أمضى فى سؤاله: هل نظرتك الجوانية تحوى هذا الإطار الذى يجمع بين الدين والدنيا؟ وهل هذا هو الوازع الذى حدا بك إلى التفكير فى مسجد «المحمود»؟. يومها لم يجبنى تاركا لى الفرصة لكى أجيب أنا على تساؤلاتى. رحم الله الدكتور «مصطفى محمود». إنه هذا العملاق السهل الممتنع.