بدون رتوش
كان من الطبيعى أن تكون ردود الفعل فى العالم العربى والإسلامى هى الترحيب بكل ما قام به «فلاديمير بوتين»، ليس حبًا فى الحرب وأهوالها، وإنما لأن ما قام به جسّد هزيمة للولايات المتحدة وللغرب المريض، فلقد ظهر كل منهما عاجزًا ضعيفًا لا يملك أى حراك ضد ما قام به قيصر روسيا القوى. فكل ما استطاعه «جو بايدن» والاتحاد الأوروبى هو دعم أوكرانيا بالسلاح، وفرض حصار ضار وغير مسبوق على روسيا. وبخلاف ذلك أصابهم الذعر ولم يستطيعوا الدخول إلى حومة القتال لمساعدة من ادعوا حمايته. وعلى النقيض ظهر القيصر الروسى القوى الذى سبق وأن آلمه سقوط الاتحاد السوفييتى، ووصف هذا الانهيار بأنه أكبر كارثة جيوسياسية خلال القرن العشرين، ولطالما أعلن رفضه الدائم إزاء محاولات الغرب للتحرش بروسيا، وانتقد مرارًا توسع الناتو نحو الحدود الروسية.
إنه بوتين الذى أحرز نقاطًا سياسية مثمرة لنجاحه فى الحفاظ على الاستقرار النسبى لروسيا فى أعقاب الفوضى التى تلت انهيار الشيوعية إبان تسعينيات القرن المنصرم. وفضلًا عن استعادة الشعور بالكرامة الوطنية الذى بات سائدًا فى البلاد. سمح بوتين أيضًا للطبقة الوسطى بالازدهار رغم أن موسكو تظل مهيمنة على الاقتصاد، ورغم أنه لا يزال هناك الكثير من الفقر فى المناطق الريفية. واليوم فاجأ بوتين العالم بغزوه لأوكرانيا، وهى العملية التى تعد أكبر خطوة يقدم عليها منذ ضمه لشبه جزيرة القرم عام 2014. إلا أنه لم يخف إصراره على إعادة فرض النفوذ الروسى فى جارته الأوكرانية. ولذلك اعتبره الكثيرون فى روسيا رهانًا آمنًا. ولعل الاستطلاع الذى أجرى فى 27 فبراير 2021 خير دليل على مدى شعبيته وارتفاع ثقة المواطنين الروس به بعد العملية العسكرية، حيث أكد نحو 71% رغبتهم فى أن يبقى بوتين رئيسًا إلى ما بعد عام 2024.
ولا شك أن عجز الغرب هو الذى شجع «بوتين» على أن يقوم بغزو أوكرانيا ويستمر فى حملته حتى يحقق المخطط من ورائها. إنه بوتين أطول زعيم روسى بقاء فى سدة الحكم منذ ستالين. شغل بوتين منصب الرئيس ومنصب رئيس الوزراء، وفتحت أمامه فرصة البقاء فى منصبه بعد انتهاء فترة رئاسته الرابعة فى 2024، وذلك عندما أجرى استفتاء على إصلاحات دستورية فى 2021 بما يعنى أنه قد يمكث فى الكرملين حتى عام 2036. وفيما إذا تتبع المرء حياته السياسية والشخصية كزعيم سيجد أن الآراء تنقسم حوله، فما زال يتمتع ببعض السمات التى تعود إلى الحقبة السوفييتية التى شكلت رؤيته للعالم. ولكن اليوم يحتل اسمه العناوين الرئيسية فى مختلف أنحاء العالم.
هناك بالقطع تباين بين ما قام به الغرب فى ديارنا، وكيف دمر وقتل وخرب وأباد دون أن يحرك المجتمع الدولى ساكنًا، والنموذج الاجتياح الأمريكى البريطانى للعراق والتدخل فى ليبيا وسوريا وسائر دول المنطقة، وبين ما قام به بوتين، فلقد لجأ إلى غزو أوكرانيا مضطرًا بعد أن عمد الغرب إلى تهديد الأمن القومى لبلاده عبر السعى لإدماج أوكرانيا فى حلف الناتو من أجل حصار روسيا وتطويقها، ومن أجل إضعافها. ولهذا جاء رد بوتين باترًا، وكان انتصاره انتصارًا ضد أمريكا والغرب المريض الذى آن الأوان لزعمائه أن يختبئوا كالجرذان بعد أن جردتهم روسيا من القوة والغطرسة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض