تأملات
رغم ما تشير إليه الأنباء من تراجع الولايات المتحدة عن قرارها الخاص بتصنيف جماعة الحوثيين فى اليمن كجماعة إرهابية وتعليقه لمدة شهر، فإن هذه الخطوة فى حد ذاتها تؤكد الفكرة التى تذهب إليها هذه السطور من أن الأمر لا يعدو فى النهاية سوى نوع من التوظيف السياسى لمفهوم الإرهاب وهو أمر يسرى على العديد من الأنظمة فى العالم وليس النظام الأمريكى فقط فى ضوء اختلاط الأمور وعدم تقديم تعريف واضح لمفهوم الإرهاب، الأمر الذى أتاح مثلًا توصيف عمليات مقاومة المحتل، الحالة الفلسطينية نموذج واضح، باعتبارها إرهابًا.
يتعزز هذا الفهم فى ضوء الظروف التى أحاطت باتخاذ القرار الأمريكى وتلك التى أحاطت بعملية تجميده، وهى تتعلق بشكل عام بانتقال السلطة من إدارة ذات رؤى وتوجهات محددة فى صياغة علاقاتها الدولية إلى إدارة أخرى لها فلسفة مغايرة فى النظر لهذه العلاقات، وإن كان هذا التوصيف لا يحمل حكمًا قيميًا من أى من الإدارتين.
السؤال الذى يمكن له أن يتيح للقارئ فهم الفكرة التى تبنى عليها هذه السطور هو: ماذا لو أن هذا القرار اتخذ مبكرًا فى ظل إدارة ترامب؟ الإجابة أن جماعة الحوثيين، بغض النظر عن مساوئها وسلبياتها كجماعة عميلة لإيران.. فهذه قضية أخرى، كانت ستظل جماعة إرهابية. أى أن الفيصل ليس الممارسة على أرض الواقع، وإنما الفيصل هو «النظارة الأمريكية» التى يجرى بها النظر إلى هذا الفصيل أو ذاك!
مما يكشف عن أن ظاهرة الإرهاب يطغى على التعاطى معها الشق السياسى بشكل أكبر من التوصيف الحقيقى لها أنه لو أن الحوثيين جماعة إرهابية بحق، فإن قرار إدارة بايدن يزيل عنها هذه الصفة، وهو ما يعنى أن الاتصاف بالإرهاب من عدمه أشبه بطابع دمغة يتم وضعه أو نزعه من جماعة أو دولة معينة لتوصيفها بهذه الصفة أو رفعها عنها.
سؤال آخر: فى ضوء رفض الأمم المتحدة للقرار الأمريكى بشأن الحوثيين، ماذا لو أصرت واشنطن على موقفها فهل كان سيتم التعامل دوليًا مع الحوثيين على أساس النظرة الأمريكية أم النظرة الأممية؟ الإجابة معروفة بالطبع ما يشير إلى حدود الإدارة الأمريكية وسيطرتها على مقدرات النظام الدولي.
ولتعزيز هذا الطرح أقدم لك حالة السودان نموذجًا آخر، دون أن نبعد كثيرًا عن الموضوع، فقد ظلت تلك الدولة الشقيقة مدرجة من قبل الولايات المتحدة على لائحة الدول الداعمة للإرهاب لنحو ٢٧ عامًا منذ ١٩٩٣، وظلت تلك التهمة معلقة فى رقبتها مما ألقى بتأثيرات بالغة السوء على أحوالها وأحوال الشعب السودانى الشقيق. وإذ فجأة تعلن إدارة ترامب رفع السودان من القائمة فى خطوة ارتبطت بقبول الخرطوم الانخراط فى عملية التطبيع مع إسرائيل الهدف الذى تبناه ترامب شخصيًا. بل ارتبط الموقف الأمريكى بمكافآت سخية، فضلًا عما سيترتب عليه من نتائج بالغة الإيجابية لجهة إعادة دمج السودان فى الاقتصاد الدولى واستعادة العلاقات مع المؤسسات الدولية بما يعنيه ذلك من إمكانية الحصول على قروض ومنح وتدفق الاستثمارات الخارجية المباشرة.
السؤال: هل كان السودان إرهابيًا بحق.. أم أن النظرة الأمريكية هى التى جعلت هذه الصفة تلتصق به؟
وماذا لو أنه لم يوافق على التطبيع؟ الإجابة هى أنه سيظل إرهابيًا، ما يعنى أن تلك الصفة ليست حقيقية بقدر ما هى أداة للتعامل مع الخصم وإخضاع إرادته فى الاتجاه الذى يراد له أن يسير فيه. وبالطبع قس على ذلك ممارسات العديد من الأنظمة الأخرى وإن كان محور التركيز هنا هو السلوك الأمريكى باعتباره أكثر فجاجة ووضوحًا وأكثر انخراطًا فى قضايا ذات طابع دولى ومحل جدل ويتصدر الأنباء العالمية. دون إطالة لا مجال لها لعل هذا الفهم يمثل إضاءة عامة على مفهوم التوظيف السياسى لمفهوم الإرهاب.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض