تأملات
على مدار التاريخ الإنسانى اعتبرت السلطة مغنما ومحورا للشد والجذب، بشكل تسببت معه فى صراعات عديدة انتهت بسقوط ممالك وإمبراطوريات وجمهوريات وقيام أخرى. وربما عبر أحد تصوراتنا الشعبية عن هذا الأمر بعبقرية بإشارته إلى أن كرسى السلطة قد يكون به مادة «الغراء» بشكل يجد معه الجالس عليه صعوبة فى الانفصال عنه! وإذا كان الأمر ما زال قائما فى أنحاء مختلفة من العالم بما فيها عالمنا العربى والإسلامى بالاساس، فقد ساد تصور - ربما يبدو لنا الآن مغلوطا - عن أن الغرب حسم هذه الإشكالية من خلال تنظيم آليات محترمة لتداول السلطة من خلال النظام الديمقراطى وصندوق الانتخابات.
غير أن ما حدث فى الانتخابات الأمريكية الأخيرة وما تجرى فصوله حتى الآن يشكك فى هذا التصور ويعيدنا إلى المربع صفر بشأن جاذبية السلطة وصعوبة انفلات الإنسان من الوقوع فى أسرها والسعى لكسر كل القواعد التى تنظم تبادلها من أجل الاحتفاظ بها. ويبدو ذلك بامتياز فى سلوك الرئيس الأمريكى ترامب الذى ربما تمثل فترة حكمه والشكل الذى اختتمها بها، بغض النظر عن مآلات الموقف خلال الفترة القادمة، نقطة سوداء فى تاريخ الولايات المتحدة كدولة تبوأت مركز زعامة العالم على مدى أكثر من قرن.
فحتى لحظة كتابة هذه السطور ما زال ترامب يتردد فى قبول خسارته بل راح يغرد، صباح أمس، بفوزه فى الانتخابات وهو ما دعا موقع تويتر للتحفظ على التغريدة بتأكيده أنها تخالف النتائج الرسمية للانتخابات. وقد أدت شهوة السلطة لدى ترامب وسعيه للاحتفاظ بها إلى إصابة الديمقراطية الأمريكية بشروخ وهز صورة بلاده ليس أمام العالم فقط بل أمام المواطن الأمريكى ذاته. ويكفى هنا للإشارة على خطورة الحالة التى أثارها ترامب أو أوجدها بسلوكه الرافض لنتيجة الانتخابات معرفة أنه على مدى تاريخ الولايات المتحدة الممتد منذ 244 عامًا لم يسبق لرئيس أمريكى أن رفض مغادرة البيت الأبيض بعد خسارته الانتخابات، ليس ذلك فقط بل إن سلوك ترامب تجاوز خيال المشرع الأمريكى لدستور الولايات المتحدة والذى لم يصل لحد تصور إمكانية حدوث هذا الموقف فلم يضمّن الدستور مادة تحدد وجه التصرف فى مثل هذه الحالة!!
وحسب تحليل نشرته «بى بى سى» فإن «الانتقال المنظم القانونى السلمى للسلطة يعد إحدى السمات المميزة للديمقراطية الأمريكية، ولهذا السبب أدى إعلان ترامب عدم قبوله الهزيمة أمام بايدن إلى خلق موقف جديد ومثير للقلق، يضع المحللين أمام تحدى دراسة سيناريوهات لم يسبق التفكير فيها»!
وبعيدًا عن بعض المخاوف التى بدت إثر قرار ترامب بإقالة وزير الدفاع الأمريكى مارك إسبر من منصبه، وتصور أن ذلك ربما يكون تجنبا لتدخل الجيش لإجباره على إخلاء البيت الأبيض، فإن ورود تلك الخواطر مؤشر على قوة الشكوك التى أثارها ترامب بشأن عدم تخليه عن منصبه. وربما عزز ذلك أنه كان قد أوضح عزمه على اتخاذ هذا الموقف منذ شهور وكرره مؤخرا بإشارته إلى أنه لن يسقط فى الانتخابات سوى بحدوث تزوير. وأكد هذه المخاوف تصريح وزير الخارجية بومبيو بعد إعلان فوز بايدن بأنه سيكون هناك انتقال سلس للسلطة لولاية ترامب الثانية.
وفى سياق رصد موقف ترامب فإنه لعل أسوأ ملمح لتمسكه ببقائه فى السلطة قيام الخارجية الأمريكية فى مشهد مثير للدهشة ربما لا يحدث فى جمهوريات الموز بحجب الرسائل التى وجهها القادة الأجانب إلى بايدن فى تصرف يهدف إلى عرقلة عملية تمرير السلطة، بشكل لم يعد معه معروفا من هو الرئيس الأمريكى بالضبط، بشكل يذكرنا بتلك الجملة الشهيرة فى فيلم «وإسلاماه» حين راح قائد التتار يتساءل: «وأكلم مين لما أحب اخاطب الشعب المصري؟» فبدا زعماء العالم لا يعرفون الشخص الذى يتوجهون اليه بالحديث كرئيس للولايات المتحدة: ترامب أم بايدن؟
لا ينطلق هذا الطرح، مما قد يعتبره البعض من شماتة أو محاولة النيل من نموذج الديمقراطية الغربي، على العكس، ذلك أنه نموذج يحمل أدوات إصلاح أدائه، وهى ميزة ربما تفتقدها نظم أخرى لتداول السلطة فى أنحاء مختلفة من العالم. وعلى ذلك فقد يكون من نتائج حكم ترامب تعزيز أهمية دراسة أثر العامل الشخصى فى صنع سياسة الدولة بالولايات المتحدة رغم أنه عامل من المفترض أنه تم تجاوزه هناك، وربما يتطلب الأمر دراسة نشأة ترامب والعوامل التى أثرت على سلوكه الشخصى وبحث تطوره النفسي.
ويؤكد هذا الطرح أن أخطر نتيجتين من الأسلوب الذى اتبعه ترامب فى حكمه هما إعادة الاعتبار لطابع الفردية وشخصية الحاكم فى مسار الحكم حيث طبع سياسة بلاده الخارجية وحتى الداخلية بطبائعه الشخصية التى غلبت عليها الشعبوية، والنتيجة الأخرى التى تمثل الوجه الآخر للأولى تراجع الطابع المؤسسى فى السياسة الامريكية، ومن المتصور أن الأمر قد يتطلب جهدا كبيرا من بايدن ومن يأتى بعده لكى يستعيد الصورة التقليدية الإيجابية عن هذه السياسة وكونها مؤسسية وليست فردية.
وبعيدا عما قد يراه البعض من أن مثل هذا التناول يعكس تحيزا ضد ترامب، فمن المؤكد أنه ألحق ضررا بالغا بصورة بلاده، بسبب رغبته فى التمسك بالسلطة، حتى أنه يمكن للكثيرين أن يشعروا بالشك فى أنه يحمل جينات قادة العالم الثالث الذين لا يرحلون عن مناصبهم سوى إما بالموت أو الخلع!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض