رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

رغم الجهد الرائع الذي تبذله بعض الأجهزة الرقابية لمحاربة الفساد، فإنني أستطيع أن أؤكد بضمير مستريح أن الفساد ينمو ويتكاثر، ولا أطلق هذا الحكم لأنني أري أن محاربة الفساد والفشل بحاجة إلي قوانين أكثر ردعاً أو إلي جهات رقابية إضافية، فالقوانين الرادعة كثيرة، والجهات الرقابية القائمة أكثر مما تحتاجه أي دولة لمحاربة الفساد والفشل.

السبب ـ في تصوري ـ هو الطريقة التي يتم بها اختيار  القيادات العليا  بمختلف مؤسسات الدولة. فالدول التي حققت التقدم المذهل وتغلبت علي الفساد بدرجة كبيرة أدركت أن العلة  الأساسية في انتشار الفساد والفشل هي سوء اختيار القيادات العليا في مختلف مؤسسات الدولة.

من هنا حرصت السلطات المسئولة في تلك الدول علي التدقيق في اختيار «القيادات العليا» التي تتحمل المسئولية في مختلف مؤسسات الدولة سواء منها المؤسسات المختصة بالإدارات المدنية الخدمات العامة أو المؤسسات الإنتاجية التي تملكها الدولة.

ويتم الاختيار بناء علي معلومات دقيقة وأمينة تقدمها الأجهزة المعنية والخبيرة بنوعية النشاط الذي سوف تتولاه هذه القيادة.  وفي مقدمة المعلومات التي توضع أمام المسئول عن اختيار القيادات مستوي خبرة هذه القيادة في نوعية النشاط الذي تمارسه المؤسسة التي سيتحمل مسئولية القيادة العليا بها... ومع هذه المعلومات الدقيقة عن «الخبرة» يطلع المسئول علي «تقارير أمنية» هدفها الوحيد الكشف عن مدي نزاهة هذه القيادة وعما إذا كانت متورطة في فساد أو انحراف.

وهذه المعلومات تتعرض لفحص دقيق للاطمئنان علي دقتها وأمانتها. وعندئذ يختار المسئول القيادة العليا من بين عدد من الشخصيات الممتازة والأكثر امتيازاً.

وبعد أن يتم الاختيار علي هذا النحو توضع الأهداف القريبة والبعيدة أمام هذه القيادة ويترك لهذه القيادة حرية ابتكار الأساليب التي تتلافي الأخطاء والتي تحقق الأهداف المتفق عليها.

ولا ينتهي الأمر عند حسن الاختيار، لكن «المتابعة» لها نصيب وافر. والمتابعة تتم علي فترات زمنية بقصد الاطمئنان إلي أن القيادة العليا قد تمكنت من حل المشكلات التي أثرت سلباً علي المؤسسة وأن هذه القيادة  تسير في الطريق الصحيح الذي ينهض بالمؤسسة ويحقق أهدافها، فإذا أثبتت «المتابعة» الأمنية أن القيادة العليا تحقق بالفعل خطوات ناجحة تم تشجيعها ودعمها لتحقق المزيد من النجاح. أما إذا أثبتت المتابعة الأمنية أن هذه القيادة لم تستطع أن تتغلب علي المشكلات التي عرقلت تقدم المؤسسة أو تحقيقها لأهدافها نتيجة لعدم تطابق القدرات العملية للقيادة العليا مع ما حوته التقارير من خبرة، فإن السلطة المسئولة تتولي تغيير هذه القيادة فوراً.

هذا هو الاسلوب الذي اتبعته الدول التي كنا نسبقها منذ عشرات السنين وأصبحت تسبقنا في جميع المجالات.

وهنا لابد أن نتوقف أمام الطريقة  العقيمة التي يتم بها اختيار القيادات العليا في مختلف  مؤسسات الدولة في مصر.

للأسف الاختيار في مصر يتم بطريقة كارثية، فالتقارير التي يتم تقديمها للمسئول عن اختيار هذه القيادات تركز علي الجانب «الأمني» بمفهوم مختلف. فالمعيار الأمني يركز علي مدي «ولاء» الشخصية المرشحة لتولي القيادة العليا، ومدي ولائه للسلطة الحاكمة وهذا «الولاء الشخصي» في نظر الأمن هو المعيار الأهم حتي من معيار «الولاء للدولة».

أما المعيار الثاني فهو الرغبة في خدمة بعض الشخصيات من المقربين من السلطة بتعيينهم في مواقع القيادة العليا ببعض المؤسسات ليحصلوا علي امتيازات مادية كبيرة.

هذا الاسلوب في اختيار القيادات  العليا هو أحد أبرز الأسباب التي أدت الي انهيار مؤسسات انتاجية كان من الممكن أن تنافس مثيلاتها علي مستوي العالم. وهذا الاسلوب هو الذي دمر المصانع والشركات الكبري التي تملكها الدولة والتي تكون منها القطاع العام.

وزاد الطين بلة أن العديد من هذه القيادات كانت تمارس الفساد بطريقة مستفزة وفاحشة، وبعضها دمر المؤسسة التي تولي قيادتها العليا لجهله وفشله.

اختلال ميزان اختيار القيادات العليا.. وعدم المتابعة الأمنية لاستبعاد الفاسدين والفاشلين. هذا الاسلوب هو سر التخلف وتفشي الفساد وسيظل الوضع علي هذا الحال ما لم تلتزم السلطات المسئولة بالأسلوب الصحيح في اختيار القيادات العليا والذي طالما تحدث عنه الكتاب وهم يتحدثون عن «أهل الثقة» و«أهل الخبرة».

يا سادة يا كرام.. المثل الشهير يقول «السمكة تفسد من رأسها».