من الكوارث التى أصيب بها «الإعلام» فى مصر خاصة الإعلام المرئى انتشار «برامج التسول»، فى هذه البرامج تنتهك الكرامة الإنسانية بقسوة وتركز هذه البرامج على مواطن الضعف الإنسانى للمحتاجين وتكشف عوراتهم، وتدفعهم للتذلل البغيض، وبعد هذا العرض المزرى لكل مواطن الضعف والحاجة يبدأ مقدم البرنامج فى ممارسة دور المتعاطف مع هؤلاء المحتاجين، ويستخدم أساليب «دلال» المزادات فى النداء على أصحاب القلوب الرحيمة من المشاهدين ليتبرعوا لهؤلاء المحتاجين.
وتبدأ التبعات تنهال على البرنامج، وفى كل مرة يصرخ مقدم البرنامج معبراً عن شكره العميق لأصحاب القلوب الرحيمة ويعدد مناقبهم وأعمال الخير التى كثيراً ما يمارسونها، ويضيف من الصفات الحميدة ما شاءت له قريحته لتسبق هذه الأوصاف اسم «المتبرع» الذى رق قلبه وتبرع بسخاء للمحتاجين، وينقلب البرنامج إلى «صالة مزاد» بكل معنى الكلمة وتزداد صيحات مقدم البرنامج بعبارات الشكر للمتبرعين، ويدفع مقدم البرنامج الشخص الذى عرض حاجته ليلهج بآيات الشكر والامتنان للمتبرعين الكرماء بالعبارات المشحونة بذل الحاجة والضعف، هذه البرامج تمثل فى تصورى كارثة كبرى متعددة الجوانب.
أولاً: عرض حالات الضعف الإنسانى للمحتاجين على الملأ يمثل قمة الإهدار للكرامة الإنسانية للحالة التى يعرضها البرنامج. وهذا العرض المهين لعورات المحتاجين مرفوض مهنياً وأخلاقياً واجتماعياً، إذا كنا نتحدث عن مجتمعات ترفض إهانة المواطنين والحط من كرامتهم الإنسانية.
ثانياً: غالباً ما تشجع هذه البرامج محترفى التسول على اللجوء لها، وتشجع شرائح من المجتمع لاستسهال الحصول على المساعدات العينية والمالية بادعاء العجز والمرض وتساهم بذلك فى تشجيع البطالة.
ثالثاً: تعمل هذه البرامج على تبييض وجه بعض من حقق الثراء بطريقة غير مشروعة، فتقدم هؤلاء باعتبارهم مواطنين يسارعون لنجدة المحتاج ويسارعون لعمل الخيرات، وهؤلاء على استعداد للإنفاق بسخاء لأية جهة تحيطهم بهالة من الثناء على تصرفاتهم.
رابعاً: تنعكس آثار وثمرات هذه البرامج سلباً على النشاط الإعلامى، فيدفع كثيرين لتقديم مثل هذه النوعية من البرامج، كما تنجذب أعداد لا بأس بها ممن يقتحمون شاشات الفضائيات ولا يتمتعون بالحد الأدنى من الثقافة والموهبة التى تؤهلهم للالتحاق بمهنة الإعلام، تجذب برامج التسول هذه الفئة لتقديم تلك البرامج ليصبحوا «نجوماً» برغم مستواهم شديد التواضع ثقافياً ومهنياً.
وإذا جادل البعض بأن هذه البرامج تقدم خدمات لحالات تحتاج بشدة لمعونات مادية أو عينية أو خدمات علاجية فليس هناك ما يمنع من تقديم هذه الخدمات بشرط أن تقدم بطريقة محترمة ودون أن تجرح الكرامة الإنسانية للمحتاجين بعرضهم والكشف عن حاجاتهم بطريقة مذلة.
تستطيع وسائل الإعلام أن تقدم البرامج التى تحرض على التعاطف الإنسانى والتعاون الاجتماعى، وأن تشجع «الجمعيات» المتخصصة لتقديم العون للمحتاجين، فبعض هذه الجمعيات لديه الوسائل التى تمكنه من التدقيق فى الحالات التى تطلب المعونة، ولديه الوسائل لتحديد الحاجات الحقيقية لكل حالة، وهنا تكون مهمة برامج الخدمات بالتليفزيون مجرد تقديم بيانات حالات طالبى المعونة إلى الجمعيات المتخصصة دون أن تتعرض لأسماء المحتاجين بأكثر من إرشادهم إلى الجمعيات المعنية التى ستتولى مساعدتهم.
يا سادة يا كرام التسول ظاهرة بالغة الخطورة فى أى مجتمع وانتشاره يساهم فى انسحاب الكثيرين من قوة العمل فى المجتمع ليصبحوا عبئاً ثقيلاً مع قدرتهم على العمل، وهو فى نفس الوقت يساهم فى تراجع الشعور العام باحترام «الكرامة الإنسانية» والقبول بالحياة الذليلة.
ويعتبر علماء الاجتماع والاقتصاد انتشار التسول أو انحساره معياراً لتقدم أو تخلف الدول، فهل يقبل الإعلاميون أن يكون «الإعلام» أحد العوامل المشجعة على «التسول»؟!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض