رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

تواترت مقولة مأثورة تروى عن الإمام المجدد والمستنير الشيخ محمد عبده انه قال بعد زيارة قام بها للعاصمة البريطانية «رأيت هناك إسلاماً ولم أر مسلمين» وتضيف بعض الروايات أنه أضاف «ورأيت هنا ـ أى فى مصر ـ مسلمين ولم أر إسلاماً».

وسواء صحت نسبة هذه العبارات الى الإمام محمد عبده أم أن بعض حواريى الشيخ محمد عبده هم الذين صكوا هذه العبارة، فإن هذه المقولة تعبر تعبيراً دقيقاً عن الواقع الذى تعيشه المجتمعات العربية منذ قرون.

ففى انجلترا شأنها شأن الدول الأوروبية شهد عصر النهضة ثورة فكرية هائلة أزاحت ركام الجهل والتخلف الذى فرضه رجال الكنيسة على جوهر الدين، وكشفت هذه النهضة الفكرية عن الجوهر الحقيقى للمسيحية دينا يكرس كل الفصائل الإنسانية ويدعو البشر ليقيموا صلاتهم بالله دون وساطة نصبت رجال الدين أوصياء على البشر ورفعت هذه الثورة الفكرية التى أسست لحركة النهضة الشاملة فى المجتمعات الأوروبية، رفعت شعارات إبقاء الدين بعيداً عن معترك الحياة اليومية المليئة بتفاصيل كثيرة حفاظاً على قدسية الدين من جانب ورفضاً لقيود ثقيلة ومتخلفة يفرضها بعض رجال الدين على الحركة اليومية للحياة.

وفى ظل هذه الثورة الفكرية استقر الدين فى مكانته الطبيعية فى دور العبادة وفى العلاقة الطوعية بين الإنسان وبين الله، وحطمت هذه الثورة الفكرية القيود التى أوقفت حركة البحوث العلمية والتى بلغت حداً تعرض فيه من تجرأ على البحث العلمى للاضطهاد حتى أنكر نتائج أبحاثه أو للإعلام.

انطلق قطار البحث العلمى بكل قوة وحققت الشعوب الأوروبية النهضة الصناعية الهائلة والتقدم الاجتماعى المبهر بعد أن استبقت فى الوعى الجمعى القيم الأخلاقية النبيلة التى يدعو الدين لاعتناقها  حفاظاً على تماسك المجتمعات وعلى تحقيق الحياة الكريمة لكل البشر.

هذه القيم الأخلاقية النبيلة هى جوهر الدين الإسلامى وقد عبر عن هذا المعنى الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم فى الحديث الشريف الذى يقول «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

هذا إذاً هو جوهر رسالة الإسلام التى بعث بها رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يتوقف الإسلام عند مجرد الدعوة لمكارم الأخلاق، لكنه منذ كلمات الوحى الأولى حدد للمسلمين طريق التقدم فأول الوحى أمر واضح وساطع بأن يعتمد المسلم على العلم واكتساب المعرفة فيقول الحق سبحانه وتعالى «اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذى علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم».

لخصت الآية الكريمة فى أول نزول الرحى الهدف الذى يجب أن يسعى المسلم لتحقيقه فى الدنيا وهو اكتساب المعرفة والبحث العلمى الجاد الذى يوفر للمسلم علماً لم يكن يعلمه.

وهنا استأذن فى أن أسجل تحفظاً خشية أن يفهم حديثى على أنه تأييد لمزاعم راجت عن ما سموه «الإعجاز العلمى فى القرآن الكريم» فالقرآن الكريم كتاب هداية وليس كتاباً علمياً، ومن يدعى أن القرآن الكريم به نظريات علمية أو أنه احتوى على اكتشافات علمية لم يتوصل العلم الحديث لها إلا بعد آلاف السنين من نزول القرآن الكريم، هذا الزعم الخاطئ يعرض القرآن الكريم لشكوك نرفضها رفضاً باتاً، لأن الاكتشافات العلمية معرضة فى كل زمان ومكان لمراجعات كلما اتسعت دائرة الاكتشافات العلمية وحاشا لله أن نعرض القرآن الكريم لأية مراجعات تشكك فيما جاء بالقرآن الكريم.

القرآن الكريم كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كتاب احكمت آياته وما حواه فى مجال البحث العلمى ينحصر فى تحريض المسلمين على البحث العلمى الجاد لتطوير الحياة، مع اشارات ـ لا أكثر ـ لبعض الأمور التى يمكن أن تتجه إليها الأبحاث العلمية مثل الإشارة الى الفوائد الكثيرة فى «عسل النحل» وهى إشارة عامة اقترنت بتشجيع المسلم على أن يواصل البحث العلمى الجاد لاكتشاف هذه الفوائد.

وفى نفس الوقت تشير الآيات المحكمة الى أهمية أن تتم هذه الأبحاث بجدية تامة وأن يقوم بها العلماء وأن يتحرى الباحثون أن تكون هذه الاكتشافات العلمية موجهة لخدمة البشرية وأن تستخدم نتائج الأبحاث العلمية فى كل ما يحقق الحياة الكريمة الآمنة لكل البشر.

وأعود بعد هذا الاستطراد لأصل الموضوع الذى بدأت به وهو ما قاله الشيخ محمد عبده. فملاحظته تصلح لأن نستهدى بها هذه الأيام التى نتطلع فيها لأن نحقق تقدما حقيقياً نلحق فيه بركب التقدم العلمى فى هذا العصر، هذا التقدم الذى يحقق الخير للبشرية، وأيضاً يكشف لنا سر هذا التقدم المذهل الذى حققه الغرب، هذا  السر هو الالتزام بالقيم الأخلاقية فى التعاملات هذا الالتزام الذى يحقق استقراراً حقيقياً فى المجتمع، وأيضاً الالتزام بقيمة من أهم القيم التى حرض الإسلام على الالتزام بها هى «اتقان العمل» مصداقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم «ان الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه».

لقد آن الأوان لنسترشد بعبارة الإمام محمد عبده وأن نأخذ بمنهج الثورة الفكرية التى حققت النهضة الأوروبية وأن نضع الإسلام فى مكانة القداسة الحقيقية وهى الصلة بين العبد وربه ولا نعرضه لتشوهات يلحقها به "تجار الدين" ممن اخترعوا صفة «الدعاة»؟!

ويحولون الإسلام الى سلعة يتاجرون بفتاواهم المتخلفة بالتدخل فى تفاصيل الحياة اليومية بكل تعقيداتها والزعم بأنهم يملكون مفاتيح الفتاوى بما هو حلال وما هو حرام؟!

ويكتمل الحديث ببيتين من الشعر تنسبهما الروايات أيضاً الى الإمام محمد عبده عندما هاجمه تجار الدين.. يقول الإمام محمد عبده،

ولست أبالى أن يقال محمد ...  أبل أم اكتظت عليه المآتم

ولكن دينا أردت صلاحه ...  مخافة أن تقضى عليه العمائم