كيف تحسن الظن عند المصائب والشدائد
حسن الظن بالله من أعظم العبادات القلبية التي ينبغي للمسلم أن يتحلى بها في جميع أحواله، خاصة عند نزول البلاء والمصائب، إذ يبعث في النفس الأمل والسكينة ويجدد الثقة في رحمة الله تعالى وقدرته على تفريج الكروب وتبديل الأحوال إلى ما هو خير وأفضل.
حسن الظن بالله عبادة عظيمة
أكد الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن الله سبحانه وتعالى يدعو عباده إلى حسن الظن بالله والثقة في رحمته وفضله، مستشهدًا بالحديث القدسي الذي رواه البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: «أنا عند ظن عبدي بي».
وأوضح أن المسلم إذا أحسن الظن بربه وتوقع الخير منه سبحانه وتعالى، فإن الله يكرمه ويعطيه على قدر حسن ظنه، أما إذا أساء الظن بالله تعالى فلا يلومن إلا نفسه.
منزلة حسن الظن بالله عند الصحابة
وأشار إلى ما ورد عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، حيث قال: «والذي لا إله غيره، ما أعطي عبد مؤمن شيئًا خيرًا من حسن الظن بالله عز وجل، والذي لا إله غيره، لا يحسن عبد بالله عز وجل الظن إلا أعطاه الله عز وجل ظنه، ذلك بأن الخير في يده».
ويكشف هذا الأثر العظيم مكانة حسن الظن بالله في حياة المؤمن، وأنه من أعظم أسباب نيل الخير والبركة والرضا في الدنيا والآخرة.
ما الذي يستلزمه حسن الظن بالله؟
وبيّن الدكتور علي جمعة أن حسن الظن بالله ليس مجرد كلمات تردد باللسان، بل هو حالة إيمانية متكاملة تستلزم الثقة المطلقة فيما عند الله سبحانه وتعالى، والإيمان بحكمته ورحمته، كما تستلزم حسن التوكل عليه والاعتماد عليه في جميع الأمور.
وأضاف أن من مقتضيات حسن الظن بالله أيضًا الرضا بقضائه وقدره، والتسليم لأمره سبحانه، واللجوء إليه بالدعاء في كل وقت، لأن الدعاء من أعظم صور العبادة وأقربها إلى الله تعالى.
القنوط واليأس من رحمة الله خطر عظيم
وفي المقابل، حذر عضو هيئة كبار العلماء من الوقوع في اليأس والقنوط من رحمة الله، موضحًا أن ذلك يعد من أخطر ما يصيب القلب المؤمن، لأن اليأس يناقض الثقة بالله تعالى ويضعف الرجاء في فضله.
ونقل ما ذكره الإمام ابن حجر العسقلاني في كتاب "فتح الباري"، حيث أوضح أن اليأس من رحمة الله من الكبائر؛ لأنه يتضمن تكذيب النصوص الشرعية التي تؤكد سعة رحمة الله وعظيم مغفرته.
كما أشار إلى أن القنوط قد يصل بصاحبه إلى اعتقاد عدم حصول الرحمة له مطلقًا، وهو من صور سوء الظن بالله تعالى التي نهى عنها الشرع الشريف.
حسن الظن بالله عند المصائب والشدائد
وأكد الدكتور علي جمعة أن المؤمن مطالب دائمًا بإحسان الظن بربه، إلا أن الحاجة إلى حسن الظن بالله تزداد عند نزول المصائب والابتلاءات، لأن الإنسان في تلك اللحظات يكون في أمس الحاجة إلى الأمل والثقة في رحمة الله ولطفه.
فكلما اشتدت المحن وعظمت الكروب، كان حسن الظن بالله سببًا في طمأنينة القلب وثبات النفس واليقين بأن الفرج قريب وأن الله سبحانه وتعالى لا يضيع عباده المؤمنين.
حسن الظن بالله عند المرض والموت
وأوضح أن العلماء أكدوا استحباب تقوية الرجاء بالله تعالى عند المرض وقرب الأجل، فقد نقل عن الإمام الحطاب قوله: "نُدب للمحتضر تحسين الظن بالله تعالى".
كما استشهد بما جاء في صحيح مسلم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله»، وهو توجيه نبوي كريم يؤكد أهمية أن يلقى المسلم ربه وقلبه ممتلئ بالرجاء والثقة في رحمته ومغفرته.