المساواة في الإسلام.. حقوق لا يجوز التفريط فيها
المساواة في الإسلام ليست مجرد شعار نظري أو مبدأ أخلاقي مجرد، بل هي قيمة أصيلة قامت عليها الشريعة الإسلامية، وركيزة أساسية من ركائز بناء المجتمعات الإنسانية العادلة.
وفي هذا السياق أكد الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن الفقهاء تناولوا قضايا الحقوق الإنسانية والمساواة عبر أبواب متعددة في الفقه الإسلامي، من خلال المقاصد الشرعية والمصالح العامة والقيم الإنسانية الرفيعة التي جاء بها الإسلام.
وأوضح أن المساواة في الإسلام ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمقاصد الشريعة التي تهدف إلى تحقيق العدالة وصيانة كرامة الإنسان، مشيرًا إلى أن الشريعة الإسلامية نظرت إلى الإنسان باعتباره مخلوقًا مكرمًا وخليفة لله في الأرض، ومن ثم فإن تحقيق العدل بين الناس يعد من أعظم المقاصد التي سعت إليها الرسالة الإسلامية.
العدالة والمساواة من أهم مقاصد الشريعة
وأشار الدكتور علي جمعة إلى أن علماء الشريعة قرروا أن العدالة والمساواة تمثلان من أهم الأسس التي قامت عليها الأحكام الإسلامية، لأنهما الوسيلة لتحقيق الاستقرار المجتمعي وصيانة الحقوق الإنسانية.
وأضاف أن تطبيق المساواة في الإسلام يساهم في الارتقاء بالمجتمعات وتحقيق التحضر والتمدن، كما يساعد الإنسان على الوصول إلى ما يطمح إليه من حرية وكرامة وأمن واستقرار، موضحًا أن كل ما يحقق هذه المقاصد النبيلة يعد من مراد الله سبحانه وتعالى لعباده.
حقوق الإنسان في الإسلام ضرورات واجبة
وأكد مفتي الجمهورية السابق أن الإسلام لم يكتفِ بالدعوة إلى احترام الإنسان فحسب، بل جعل العديد من الحقوق الأساسية ضرورات واجبة لا تستقيم الحياة الإنسانية بدونها.
وأوضح أن الشريعة الإسلامية اعتبرت المأكل والملبس والمسكن والأمن والتعليم وحرية الفكر والاعتقاد والتعبير والمشاركة في بناء المجتمع من الحقوق التي يجب توفيرها لكل إنسان، بغض النظر عن انتمائه أو خلفيته.
وبيّن أن المساواة في الإسلام تقتضي أن تلتزم الدولة بتوفير هذه الحقوق لجميع المواطنين، كما يحق للأفراد المطالبة بها والمحافظة عليها باعتبارها حقوقًا إنسانية أصيلة.
البشر جميعًا سواء أمام الله
وأشار الدكتور علي جمعة إلى أن العقيدة الإسلامية تقوم على مبدأ التوحيد، الذي يرسخ وحدة الأصل الإنساني ووحدة الخالق سبحانه وتعالى، وهو ما يجعل البشر جميعًا متساوين في مقام العبودية لله عز وجل.
وأضاف أن الإسلام ينظر إلى الناس باعتبارهم عبادًا لرب واحد، الأمر الذي يؤسس لعلاقات إنسانية قائمة على الاحترام المتبادل والتعاون والتكافل، بعيدًا عن أي صور للتمييز أو التعصب.
هل تعني المساواة إلغاء الفروق بين الناس؟
وأوضح عضو هيئة كبار العلماء أن المساواة في الإسلام لا تعني أبدًا القضاء على الاختلافات الطبيعية بين البشر أو إنكار التنوع الموجود في المجتمعات الإنسانية، لأن الاختلاف سنة كونية أرادها الله تعالى في خلقه.
وأشار إلى أن الناس يختلفون في القدرات والمواهب والثقافات والبيئات، وأن هذا التنوع يمثل مصدرًا للثراء الإنساني والتكامل الاجتماعي، وليس سببًا للصراع أو التمييز.
وأضاف أن المساواة الحقيقية تعني تحقيق العدالة وعدم التفرقة بين الناس فيما لا دخل لهم فيه أو فيما يخرج عن إرادتهم اختيارهم.
احترام التنوع والهوية الإنسانية
وأكد الدكتور علي جمعة أن تطبيق مفهوم المساواة يجب أن يتم في إطار احترام خصوصيات الأفراد والمجتمعات، وعدم الاعتداء على هوياتهم أو محاولة طمسها وإلغائها.
وأوضح أن الإسلام يدعو إلى التعايش الإنساني واحترام التنوع الثقافي والاجتماعي، مع الحفاظ على الحقوق الأساسية التي يتمتع بها جميع البشر دون تمييز.
القرآن الكريم يرسخ وحدة الأصل الإنساني
واستشهد الدكتور علي جمعة بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾، مؤكدًا أن هذه الآية الكريمة تؤسس لمبدأ المساواة بين البشر في أصل الخلقة.
وأشار إلى أن القرآن الكريم خاطب الناس جميعًا بهذا النداء العام، ليؤكد أن الإنسانية تشترك في أصل واحد، وأن التفاضل الحقيقي لا يكون بالعرق أو اللون أو النسب، وإنما بالتقوى والعمل الصالح.