رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الدرس الأخير.. كلمة «لا»!

يبدو أن اليونان وجهت اللطمة الكبرى لعنجهية الإمبريالية العالمية، وسطوة الدول الكبرى، وكانت كلمة «لا» التى أطلقها اليونانيون مؤخرا بمثابة الدرس الاول والاخير؛ لمن يظن أن مقدرات الشعوب تحسب بالأموال، وأن الازمات الاقتصادية من الممكن أن تمحو من داخل الانسان حضارته وإحساسه بعظمة منبته. وبعد أن صال وجال الاتحاد الأوروبى وكشر عن أنيابه فى الفترة القصيرة الماضية، مهددا اليونانيين بقدرته على التهامهم كلقمة سائغة وسهلة ظنا منه أنهم أصبحوا (تحت ضرسه)، عاد زعماؤه للتقهقر للوراء بحثا عن حلول جديدة  حتى لا تترك اليونان الاتحاد، وليس هذا حبا فى اليونان وايمانا بأهميتها كمهبط حضارى أوروبى مهم، ولكن لأنهم يعلمون أن أوروبا ستكون عُرضة بشكل متزايد للعدوان الروسي إذا فكّت ارتباطها باليونان؛ لأنّها الجزء الوحيد من منطقة البلقان المتصل بالعديد من السواحل على البحر الأبيض المتوسط، ولذلك فهي بوابة حاسمة من وإلى الغرب.

هذا ما أكده عضو منتدى ري ديفاين الاستشاري في بروكسل سوني كوبر الذي نقلت عنه صحيفة جارديان البريطانية مؤخرا أن «من يقول إن انسحاب اليونان من منطقة اليورو ليس مهما لا يعرف عما يتحدث أو أن له مآرب أخرى، إذ إن الضرر الاجتماعي والسياسي الذي سينتج عن ذلك لا يمكن حصره».

ورغم أن التعاون الروسي اليوناني محدود في المجال السياسي فإنه قوي في قطاعات السياحة والتجارة والتعليم. ومع أن إلغاء خط غاز «بورغاز - ألكسندروبولي» جمّد علاقات البلدين لمدة من الزمن، إلى جانب أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وضعا عراقيل على المستوى السياسي بين البلدين، إلا أن هذا لا يمنع أن هناك خطراً قادماً إذا عاد هذا التقارب قوياً، خاصة أن القواسم المشتركة الدينية والثقافية والتاريخية تقرب بين الروس واليونانيين.

وربما كانت «زيارة العمل» التي قام بها رئيس الوزراء اليوناني أليكسيس تسيبراس إلى موسكو فى أبريل الماضى بمثابة الرسالة التحذيرية للاتحاد الأوروبى، خاصة أن الزعيم اليوناني قام بكتابة تغريدة على تويتر باللغتين اليونانية والإنجليزية يعلن فيها وجوده في موسكو، التي تم تبادلها على الفور على حساب فلاديمير بوتين. وتلا ذلك اتفاق يقضي بجعل اليونان محطة للغاز الروسي الداخل لأوروبا، أي أن اليونان تستطيع أن تحصل على أكثر من استثمار اقتصادي في مجال الغاز، بمقدار ما تستطيع أن تتحكم بعصب الإنتاج الأوروبي عبر خطوط الغاز، ما يضعها في موقع مهم على صعيد تنامي قدراتها على التمرد على الشروط الأوروبية المجحفة، وصولاً إلى احتمال تغيير اتجاهاً نحو الشرق كلياً.

واذا كانت اليونان لم تكن من المحسوبين سابقاً على أوروبا الشرقية، ولكن على الكتلة الغربية، وإحدى أهم القواعد البحرية للناتو، فإن خروجها من الاتحاد قد يقلب المعادلة رأساً على عقب، وبالتالى فلعبة المصالح تنضج بهدوء شروطاً جيوسياسية جديدة، تقض مضجع الغرب أكثر، وتجعل من الاتحاد الأوروبى «مراقبين حذرين»، وتجعل من أعصاب اليونانيين أكثر برودة.

على الجانب الآخر يرى كلايف كروك (كاتب أمريكي متخصص في الشئون الاقتصادية) أن انفصال اليونان سيجعل صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي عرضة للخسارة أكثر من المكسب إلى جانب احتمالات العدوى وانتقال المشاكل الاقتصادية إلى باقي الدول الأوروبية، فإلي الآن تعتقد الحكومات الأوروبية أنها بمنأى عن الانهيار في اليونان، رغم أن خروج اليونان سيفاقم الأخطار على مجمل الاتحاد الأوروبي.

ورغم التحسن الطفيف في أداء الاقتصاد الأوروبي بفضل انخفاض قيمة «اليورو» وتراجع أسعار النفط، يبقى الاقتصاد ضعيفاً، ولا يستطيع تحمل صدمات إضافية قد يحدثها إفلاس اليونان وخروجها من الاتحاد الأوروبي، خاصة أن ثمة سيناريوهات متوقعة لسقوط متتال لدول القارة العجوز في حال انهيار أضعف حلقات العقد الأوروبي وهو اليونان، وهو ما يشبهه بعض المحللين بأن خروج أثينا من الاتحاد الأوروبي بالإعصار المدمر الذي سيخلف خسائر فادحة سيكون المتضرر الأول منها جيران اليونان وخاصة المانيا قائدة القارة، التى تحتاج إلى «أوروبا منسجمة»، إلى جانب أن العملة الموحدة تعد بمثابة الضمان لمستقبل أوروبا، ورمانة الميزان لعدم عودة القارة لويلات الحروب.

وهناك ما قد يجعل اليونانيون يعطون الفرصة لحل الأزمة، وعدم الخروج من الاتحاد، لأن عودة اليونان إلى عملتها الدراخما سيفقدها 40% من قيمتها مما يعمل على زيادة عائدات الصادرات والسياحة، مما يؤثر أيضاً على ارتفاع تكاليف الاقتراض بالنسبة لإيطاليا وإسبانيا والبرتغال.

واذا كان الدرس الأخير.. كلمة «لا»! قالها اليونانيون، مع كل الديون الكبيرة التى لا قدرة لهم على سدادها، إلا أن حس الإهانة والضحية دفعهم إلى التصويت بلا، رغم رغبة معظم اليونانيين في البقاء في محور اليورو، إلا أن لعبة السياسة والتى لاترى سوى أن المصالح تتصالح  تشير الى امكانية وجود صفقة تستطيع إنهاء الأزمة وتدفع بإصلاحات للوضع اليوناني وتوقف الفساد والمحسوبية التي شوهت الديمقراطية اليونانية، لأن الغضب ليس بديلا عن السياسات الحكيمة.

ولكن على الجميع الانتباه، فالساسة في معسكر الوسط الأوروبي، أمثال ماريان لوبان من الجبهة الوطنية الفرنسية، وبيبي جريلو من حركة الخمس نجوم الإيطالية وبوديموس في إسبانيا وبيجيدا في ألمانيا يتمنون سكب الزيت على النار ؛فتلك الأزمة واستمرارها يعنى وجود فرصة لتصديرها إلى بلادهم، وهو المطلوب تحقيقه بالنسبة لهم، وبالتالى لن يتركوا فرصة لخروج اليونان من الاتحاد الأوروبى إلا وبذلوا من أجلها كل نفيس وغالى!