رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

العالمية الإسلامية الثانية.. مفارقة الفكر للواقع

هذا الكتاب للمفكر السوداني محمد أبوالقاسم حاج حمد يمثل مشروع قراءة مؤجلاً منذ 30 عاماً.. رأيت أن أستغل شهر رمضان في إنجازه ضمن مجموعة أخرى من القراءات المؤجلة.. كانت المرة الأولى التي أسمع فيها به من أستاذتنا الفاضلة الراحلة الدكتورة منى أبوالفضل حيث أدرجته ضمن منهج مادة النظم العربية في السنة النهائية بقسم العلوم السياسية جامعة القاهرة.. كانت تبدو مبهورة به وبمادته على نحو أثار فضول الكثير منا رغم أنه بدا بالنسبة لي على الأقل بالغ التعقيد فلم أواصل قراءته سوى بما يخدم دراستي.

صدرت الطبعة الأولى من الكتاب عام 1979 ثم طبعة ثانية له عام 1994 في جزءين يتجاوز عدد صفحاتهما ألف صفحة. قد يكون من التبسيط المخل محاولة الإلمام أو تقديم رؤية كاملة للكتاب بهذا الحجم وبهذه النوعية من التناول في سطور مقالة صغيرة، غير أنني أتناول هنا فقط الفكرة الرئيسية من الكتاب وكما تبدو من عنوانه.. العالمية الإسلامية الثانية.. وإن كان يمكن القول بشكل عام أن الكتاب يقدم مادة فكرية بالغة العمق تشير إلى ثراء ثقافة صاحبه وتمكنه من استيعاب الفكرين الغربي والإسلامي سواء القديم أم الحديث، ويمكن اعتباره بشكل أو بآخر يقدم رؤية عصرية لحياتنا من منظور قرآني حيث تحوي صفحاته تفسيراً للعديد من المواضع في القرآن التي تتعلق بموضوعه.

بغض النظر عن الانتقادات التي يوجهها المؤلف لمخالفيه بشأن مادة الكتاب والتي أوردها في الطبعة الثانية، ويمكن إدراج هذه الرؤية في إطارها، فإن ما يستوقفك ما يمكن وصفه بمفارقتين الأولى مفارقة التباين بين ثقافة المؤلف الموسوعية وخيالية الأطروحة التي يقدمها، وهو أمر يعززه مفارقة هذه الأطروحة مع واقعنا العربي والإسلامي، على نحو قد يثير لدى القارئ العديد من التساؤلات بشأن جدوى الفكر في توجيه صانع السياسة، وإمكانية أن يدفع به في الاتجاه الخاطئ أو بناء قصور على الرمال.

وملخص الفكرة التي يؤكد عليها المؤلف في ثنايا صفحات كتابه تتمثل في أننا نمر بمرحلة تبدل تاريخي لن يكون لنتائجها مثيل في تاريخ العالم، إنها مرحلة العالمية الإسلامية الثانية التي سيكشف فيها القرآن عن المنهج الإلهي الكلي في الحركة الطبيعية والتاريخ البشري وهي العالمية التي ستحمل للإنسان كله البديل الحضاري الذي يرسي دعائم السلام كما هي حقائقه الكونية الإلهية والعلمية والفلسفية بديلا عن فلسفة الصراع التي تغرق العالم اليوم بكل سلبياتها.

وحسب قول المؤلف فإن العالمية الأولى بدأت تاريخيا، وانطلاقاً من طبيعة مراحل التناوب التي حددت في سورة الإسراء، بابتعاث العرب على بني إسرائيل وتنتهي بابتعاث بني إسرائيل على العرب، وهي تقع زمنيا ما بين إجلاء اليهود من المدينة إلى خيبر على عهد الرسول وتنتهي بقيام دولة بني إسرائيل حيث أمدهم الله بكل قوى الدعم الرأسمالي العالمي وحشد من أبناء المهاجرين من العالم بأسره وجعلهم الله أكثر قدرة على الحشد وتوظيف الإمكانات الذاتية والعالمية. وعلى خلفية هذه الرؤية يؤكد أن العودة الإسرائيلية الحالية ليست سوى بداية للعالمية الإسلامية الجديدة التي يقضي الله الآن إبرامها في الظاهر الموضوعي بكل أسس تكوينها.

غير أن المشكلة أن نظرة على واقع المسلمين في عالمنا اليوم لا تنبئ بمقدمات العالمية التي يبشرنا بها المؤلف. ورغم أن مادة الكتاب تعود إلى نحو أربعين سنة مضت إلا أنه على مدار هذه العقود لم يكن هناك ما يعزز التفكير في هذه الفرضية رغم أن المؤلف كان يعول كثيراً على انفجار النفط في المنطقة العربية باعتباره ليس صدفة جيولوجية ولكنه إعداد لمستقبل العالمية الثانية.

قد تكون كلماتنا تلك تصب فيما يصفه المؤلف بالتواضع في نظرة بعض الكتاب والمفكرين العرب على مستوى مناهجهم الفكرية ومستوى طموحاتهم القومية، وقد يكون من الصحيح حديثه عن الإمكانات الهائلة التي يراها والتي تختزنها الأمة في أعماقها، غير أنه يبدو من الصعب تحديد رؤي تتعلق بمسيرة الأمم بناء على معادلات تاريخية يتم إضفاء فهم شخصي لها بشأن تعاقب دورات الحضارات الدينية.. الأمر الذي يعمد إليه المؤلف وفق تقسيم خاص به يقدمه في ثنايا الكتاب، عامداً إلى تأكيد رؤاه باستدعاء الحضور الإلهي والتأكيد على أن «الله يقود الإنسان العربي نحو العالمية الثانية ويهيئ كل أسبابها بتقدير دقيق وحكمة اقتضاء كونية شاملة».

ورغم كل الأمنيات بأن تكون الرؤى التي يقدمها المؤلف بمثابة نبوءات قابلة للتحقق، ورغم إنه من الواجب ان يتسلح الإنسان بالأمل في غد أفضل ينطلق من عقيدته، إلا أن التعلق بالأوهام قد يكون أحد مصادر خداع الذات التي قد تدفعنا لنكون في مؤخرة الحضارة العالمية وليس في مقدمتها!

 

[email protected]