رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الادارة

د.عبد السند يمامة

رئيس مجلس الإدارة

رئيس التحرير

سامي صبري

ميراث الاشتراكية مازال سائدًا

انتهت مصر مؤخرًا من صياغة وثيقة رسمية لتحدد ملكية الدولة فى إطار خطة الإصلاحات الهيكلية وجذب الاستثمار، وقطعًا فإن هذه الوثيقة تحتاج لأكثر من مناقشة وتحليل وأخذ ورد باعتبارها إحدى الأدوات الجديدة المطروحة بهدف تمكين القطاع الخاص، وزيادة الاستثمار.

ولا يوجد أحد فى مصر يمكن أن يختلف على أهمية ومحورية الدور المفترض للقطاع الخاص فى عملية التنمية، وذلك بعد عقود طويلة ومريرة من تطبيق الاشتراكية المعدلة والمختلطة والتى لم تحقق لا فى مصر ولا فى باقى الدول النامية ما يصبو إليه دعاة الإصلاح من تنمية شاملة ومستدامة.

لقد تلاشى مصطلح «الاشتراكية» تدريجيا بين المهتمين بالاقتصاد فى مصر، ربما تأثرا بخيبة أمل طويلة اجتاحت العالم كله تمثلت فى استحالة أن يحقق هذا النموذج التنمية المتوقعة، وإن كنا لم نحلل بعد دوافع تطبيق الاشتراكية فى بلادنا وأسباب فشل التجربة.

وصدر مؤخرا عن جامعة هارفارد كتاب هام فى تاريخ الاقتصاد للبروفيسور جيرمى فريدمان، أستاذ إدارة الأعمال بجامعة ييل، حمل عنوان «ثمار الثورة.. بناء الاشتراكية فى العالم الثالث» حاول تقديم استقراء لتجربة تطبيق الاشتراكية فى كثير من دول العالم الثالث على إثر تحررها من الاستعمار. واختار البروفيسور «فريدمان» خمسة نماذج هى إندونيسيا، تشيلي، إيران، أنجولا، وتنزانيا لبحث ما فعلته الاشتراكية فيها لعدة عقود. ورغم أن الكتاب لم يتطرق إلى تجربة مصر، إلا أن هناك تشابهًا كبيرًا فى التوجه العام، وتشابهًا فى النتائج بين ما جرى فى تلك الدول ومصر.

ويُفسر جيرمى فريدمان سر اندفاع معظم البلدان المتحررة من الاستعمار لتطبيق الاشتراكية وتفضيلها على غيرها من النظم الغربية، بتعاطف قادة الثورات مع الاتحاد السوفيتي والصين؛ كونهما دولتين غير استعماريتين. كذلك فإن الاشتراكية كانت تصب فى صالح تحقيق حالة من الشعبية لقادة الدول المتحررة، والتى سعوا إلى تأكيدها للهيمنة على أنظمة الحكم.

كما أن معظم الدول المتحررة كانت دولا زراعية، ولم يكن الاتحاد السوفيتى دولة صناعية كبرى بما يعنى أنه نموذج عملى مشابه لهم.

فضلا عن ذلك، فإن الاشتراكية السوفيتية اتسمت بالمرونة التى سمحت بتطبيق نسخ محلية منها فى كل دولة دون التقيد الرسمى ببرامج السوفييت، بل إن الاتحاد السوفيتى قدم مساعدات مالية غير مشروطة لتلك الدول.

ولم يكن غريبا أن تتعدد تساؤلات الدول المطبقة بشأن الاشتراكية وما إذا كانت الأولوية للزراعة أم الصناعة، وما ينبغى عمله إزاء القطاع الخاص القائم، وما ينبغى عمله تجاه القطاع الخاص فى المستقبل، وأى النظم تخدم الاشتراكية أكثر: الديمقراطية، أم الاستبداد؟ وغيرها من التساؤلات المفترضة.

ويخلص فريدمان إلى أن الاشتراكية حققت فشلا ذريعا فى بلدان العالم الثالث جميعا، لكن الأزمة الكبرى لم تقف عند الفشل فى وقت تطبيقها، وإنما امتدت إلى ترسيخها لإرث ثقيل من الأفكار والقيم والتصورات المناهضة للتنمية والتحرر الاقتصادي، وهو مازالت كثير من البلدان النامية تعانى منه.

من هنا، فإننا لا نستغرب أن نرى فى بلادنا ذلك التناقض الهائل بين التوجه العام للحكومة والداعم للقطاع الخاص قولا وتشريعا ونظما، والتطبيق العملي للجهاز الإدارى الطارد له والموروث من الحقبة الاشتراكية التى بدأت بالتمصير فى الخمسينيات وانتهت بالتأميم فى الستينيات. إننا نتابع كل يوم تشريعات محفزة للقطاع الخاص، ونسمع تصريحات رسمية بشأن ضرورة تمكينه ودعمه، ونستمع لتوصيات عامة لإفساح مجالات أوسع للقطاع الخاص للعمل بحرية، فى الوقت الذى تبقى فيه قطاعات واسعة فى الجهاز الإدارى للدولة منغلقة ومتربصة ومرتابة فى القطاع الخاص، اتباعًا لفكر قائم وموروث من أيام الاشتراكية. فالحقيقة المرة أننا نظام اقتصادى يتخبط بين الاشتراكية والاقتصاد الحر، ولم تتحدد هويته بعد.

من هنا تتعالى صيحاتنا وتتكرر كل يوم بأن الإصلاح المؤسسى ضرورة لازمة للتنمية.

وسلامٌ على الأمة المصرية.