رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

ماذا حدث للثقافة فى مصر؟

أستكمل معكم أعزائى القراء ما قد بدأناه فى المقالة الماضية «خواطر حول أحوالنا الثقافية». ولقد أشرت فيما سبق إلى ضرورة التنبه إلى ما يمكن أن أسميه تشويه وطمس الوجه الحضارى والثقافى لمصرنا الحبيبة من خلال النيل من نزاهة وأصالة الرموز الفنية والأدبية والثقافية فى العصر الحديث. وأظن أن هذه المحاولات تأتى كنوع من الإفلاس الثقافى الذى يتجاوب مع مناخ اجتماعى ضحل ومتعطش لأية أخبار فضائحية جنسية تتعلق بالمشاهير والنجوم أو حتى بأنصاف المشاهير والمغمورين من الناس.

ولا شك أن هذا المناخ هو انعكاس صادق لما نعانيه من حالة التصحر الثقافى والإبداعى، ولذلك يطاردنى دومًا سؤال هو: لماذا أصابنا العقم الإبداعى، وكفت مصر عن الإنجاب، وغدت منذ عدة عقود امرأة عقيم غير قادرة على أن تقدم لنا نهضة فنية وثقافية مثلما حدث مع بدايات القرن العشرين.

بعبارة أخرى: لماذا تراجعنا ثقافيًا وفنيًا وحضاريًا، أين قوة مصر الناعمة؟ لماذا أصبحت تلك المسوخ الفنية من أمثال حمو بيكا وأوكا وأورتيجا وشطة، وكزبرة، وحنجرة، وعنبة هم من يتصدرون المشهد الفنى رغم وجود هانى شاكر وعلى الحجار ومحمد منير وأنغام... وغيرهم. لماذا أصبح محمد رمضان هو النجم الأوحد «نمبرون» فى السينما وفى التليفزيون وزحف حتى على المسرح؟ ماذا حدث لمصر حتى يصيبنا هذا الانحطاط. إن الكلمة لها تأثير السحر، ولذلك فإن الأغنية والمسلسل الدرامى والفيلم السينمائى هم أهم مفردات صناعة الوجدان، بل وصناعة الإنسان. ولن أتردد فى أن أقول إن حماية الذوق العام هى مسألة مصيرية بالنسبة لمستقبل الإنسان فى مصر. تأمل معى صديقى القارئ ما تُحدثه هذه الثقافة الرديئة فى الشباب: فى لغتهم اليومية، فى حوارهم، فى مظهرهم، فى ردود أفعالهم، فى أسلوب تعاملهم مع الأنثى، فى طريقتهم فى التعبير عن مشاعرهم... الخ. إننى أعتبر أن مثل هذا النوع من الأداء الذى لا علاقة له بالفن هو جريمة لا تقل خطورة عن جريمة تعاطى المخدرات.

ونعود مرة أخرى إلى السؤال: ماذا أصابنا ولماذا أهدرنا ما لدينا من قيم فنية وثقافية هائلة فى كافة المجالات الأدبية والنقدية والفلسفية لماذا تخلفنا؟ هذا هو السؤال الأهم، لأن التشخيص السليم والدقيق هو الخطوة الأولى نحو العلاج. وأنا لا أدعى أن ما أقوله هنا هو التشخيص الأوحد أو الأكثر دقة، لكن هى رؤيتى التى أدافع عنها وأعتقد أنها ربما تعطى إجابة عن السؤال المطروح: إننى أرى أن المناخ العام يلعب دورًا مهمًا فى صياغة العقل الجمعى والذائقة الفنية والبنية الثقافية للجموع، والمناخ العام لا يتشكل بصورة اعتباطية أو تلقائية، ولكنه يرتبط بكافة المؤسسات التى تشكل الكيان السياسى الذى نسميه بالدولة.

وقد سبق وأشرت فى مقالى السابق إلى أهمية ما يقوم به النظام السياسى الحالى فى مصر من ناحية الاهتمام بالبنية التحتية للمجتمع وإعادة بناء الدولة المصرية على أسس عصرية جديدة، ولكن فى مقابل هذا نجد أن مؤسسات الثقافة والتعليم والإعلام تحولت إلى مؤسسات بيروقراطية عقيمة لا تقدم سوى سلع منتهية الصلاحية، أو تقوم بتقليد الآخر العربى بطريقة بلهاء مثلما يحدث فى المؤسسات التعليمية التى تتجه إلى برامج التعليم عن بُعد والتعليم الإلكترونى دون وجود أية إمكانات مادية تسمح بذلك، وفى ظل وجود أعداد هائلة من الطلاب والطالبات تتجاوز بمراحل طاقة هذه الإمكانات المتواضعة.

وفى ظل ما يشهده العالم من تطور عولمى وتقنى تعجز هذه المؤسسات عن ملاحقة التطور العالمى، وبالمثل تعجز عن منافسة المؤسسات المملوكة للرأسمالية الطفيلية التى أصبح لها مؤسساتها الموازية لمؤسسات الدولة، وأصبح لها قنواتها وجامعاتها ومدارسها ومعاهدها الدينية، والتى أصبحت أيضاً تسيطر على عمليات إنتاج الأفلام والمسلسلات الساقطة والأغانى المبتذلة الهابطة، مما أدى فى النهاية إلى تحول الفن والثقافة إلى سلعة رديئة، ووسيلة لتغييب الوعى وإفساد الذوق.

إننى أناشد كل الشرفاء فى بلادى التصدى لهذا الشكل المنحرف من الأداء المشوه الذى لا علاقة له بالفن، الذى أعتبره بكل المقاييس جريمة يجب أن يعاقب عليها القانون مثلما يعاقب الجرائم الجنائية.

أما هؤلاء الذين يدافعون عن هذه المسوخ الفنية بدعوى حرية التعبير فإننى أدعوهم لقراءة كلمات أغانى المهرجانات التى تدور كلها فى نطاق الدعارة والمخدرات والبلطجة والتعامل مع المرأة بوصفها وعاءً جنسيًا فحسب.

إن الدفاع عن هؤلاء يذكرنى ببعض المثقفين الذين يعانون من أعراض المراهقة السياسية، ويدافعون عن حق جماعات الإسلام السياسى الإرهابية فى التواجد داخل البرلمان بدعوى أن الجموع تريد ذلك وأننا يجب أن نلبى نداءات الجماهير. والسؤال الذى اختتم به كلماتى: إذا كان المزاج العام للجماهير فى مصر قد تربى منذ عصر الانفتاح الاقتصادى الساداتى على الخطاب الإسلامى الوهابى وعلى أفلام المقاولات وأغانى عدوية وشعبولا وهما بداية الانحطاط، تُرى هل نساير هذه الجموع فى مزاجها، هل نترك مصر فريسة لثقافة الانحطاط؟

العميد الأسبق لكلية الآداب جامعة الزقازيق