رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نحو المستقبل

فى مديح حرية الرأى والمناقشة

لعل من أفضل النصوص الفلسفية السياسية الغربية التى قامت عليها وتأثرت بها الديمقراطيات الغربية الحديثة، ما كتبه الفيلسوف الانجليزى الشهير جون ستيوارت مل فى كتابه «عن الحرية» حيث نجد فيه أبلغ دفاع عن حرية الفكر والمناقشة وعن الممارسة النيابية الناجحة. وكم كان مل رائعا حينما لخص رؤيته فى حض الناس على احترام الرأى والرأى الآخر فى عبارة واحدة قال فيها: «إن كل اخماد للمناقشة افتراض للعصمة»، ولو تأمل كل فرد فى هذا الوطن حاكما كان أو محكوما هذه العبارة البليغة وقلبها على وجوهها لآمن على الفور بحرية الرأى والمناقشة ولأصبح من دعاتها قولا وفعلا؛ إذ إن الذى يطرح رأيا ويعتقد فى صحته  لحد القداسة فقد حكم على كل الآراء الأخرى بالخطأ متناسيا أن الآخرين يملكون نفس الحق فى الاعتقاد بصواب رأيهم، فضلا عن أنه فى ذات الوقت قد تصور نفسه نبيا مرسلا ومعصوما من الخطأ!!

وبالطبع فنحن حميعا كبشر لم نتلق وحيا أو رسالة إلهية ولسنا معصومين من الخطأ. وليس هناك ما يدلل على إيماننا الحقيقى بذلك إلا الاستماع إلى الآراء الأخرى والحوار معها حتى يتبين لنا أيها الصواب وأيها يمكن أن يحقق مصلحتنا سويا بحسب معطيات اللحظة الحاضرة ودرجة التقدم التى بلغناها كبشر فيها.

وقد صدق مل حينما دافع عن مقولته السابقة قائلا: «إننا لا نستطيع قط الجزم بأن الرأى الذى نحاول اخماده رأى خاطئ، وإذا كنا متأكدين من ذلك فإن اخماده يبقى مع ذلك شرا، وذلك لأن الرأى الذى تحاول السلطة اخماده قد يكون صحيحا وأولئك الذين يريدون اخماده ينكرون طبعا صحته، ولكنهم ليسوا معصومين، فليست لديهم سلطة الحكم فى الموضوع نيابة عن الجنس البشرى كله واستبعاد كل شخص آخر عن وسائل الحكم عليه، وهم إذ يرفضون السماح بالاستماع إلى رأى لأنهم متأكدون أنه خطأ إنما يفترضون أن يقينهم هو نفس الشىء وهو اليقين المطلق».

 وهناك فرق كبير جدا بين افتراض صواب رأى لأنه لم يدحض مع وجود كل الفرص لدحضه، وافتراض صوابه بفرض عدم السماح بدحضه، فالحرية الكاملة فى مخالفة رأينا وإنكار صحته هى الشرط الذى يبرر حقنا فى افتراض أنه صحيح للعمل بمقتضاه وليست هناك طريقة أخرى يستطيع بها كائن يملك القدرات البشرية أن يتأكد عقليا من أنه على صواب».

ويالطبع فما دمنا لسنا معصومين ومادمنا من البشر لابد أن يسلم كل منا للآخر بحرية الرأى وبحرية المناقشه ولابد أن يتعلم الجميع الاستماع إلى الجميع ليس لمجرد الاستماع وانما بغرض اعطاء الفرصة لجميع الآراء بما فيها رأيى أن تطرح للنقاش لنختار بحرية الرأى الأصوب الذى يكون الأقرب لتحقيق  الأهداف المرجوة .

أقول ذلك الآن بمناسبة أن مصر تتهيأ لبداية مرحلة سياسية جديدة مع بداية الدورة البرلمانية الجديدة بمجلسين (مجلس الشيوخ ومجلس النواب) يمثلان الشعب، وكل الأنظار تتجه إلى بداية ممارسة هذين المجلسين لعملهما والكل يتساءل:

 هل ستكون هذه الدورة البرلمانية الجديدة بداية لمرحلة سياسية جديدة نرى فيها ونسمع نبض الشعب، كل الشعب متطلع إلى خطوات تالية أكبر تمهد الطريق لديمقراطية نيابية حقيقية يتم فيها تداول السلطة وتنمو فيها نسبة المشاركة السياسية وتتبادل فيها الأحزاب والأفراد المواقع حسب القدرة والكفاءة دون تمييز ودون تربيطات وتحضيرات مسبقة؟! فهل تصل الرسالة ويقتنع نواب الشعب والسلطة التنفيذية بأننا لسنا معصومين وبأنه يمكن أن يكون أى رأى آخر حتى ولو كان رأيا فرديا هو أحكم الآراء وأفضلها فى أى موضوع يتم تداوله ومناقشته! ومن ثم ينبغى فتح كل النوافذ والاستماع إلى كل الآراء وخاصة آراء الحكماء والمختصين دون مصادرة أو دون حجر على أى منها، وليتنفس الجميع حرية الرأى والمناقشة فهذا هو أكبر ضمان للاستقرار والتقدم. إن الشعب المصرى يتطلع إلى مرحلة جديدة يعبر فيها الجميع عبر كل الوسائل المتاحة سواء فى المجالس النيابية أو فى وسائل الاعلام المختلفة عن رأيه وأن تناقش كل الآراء بحرية طالما اعترفنا للجميع بحق المواطنة وطالما التزم الجميع بالمصلحة العليا للوطن وراعى أخلاقيات الحوار ومسئولية الكلمة. وتحيا مصر ويحيا شعبها الأصيل حرا كريما.