رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

دردشة مع جدى فوق السحاب

< رمضان.. وما أدراك ما رمضان.. حلاوة وطلاوة.. تسالي صيام بأفكار وأحلام.. وغوص في أعماق الأصالة التي فقدناها بين الأيام والسنين ولم يتبق سوي الجحود والنفاق وطول اللسان.

< يا عالم الناس والشعوب كلها بترسم خطط لتتقدم حتي اخترقت الفضاء واكتشفوا الخلايا الجذعية.. ونحن بنعمل مؤامرات وحركات لنتقهقر ونتخلف عما كنا فيه في كل شيء.. ولسه بنبحث عن لقمة العيش في الزبالة .. عجبي.

< المهم .. في غفلة من غفلات بعد العصاري لقيت جدي بعمامته وعبايته السوداء جالس في صحن الدار والتليفون الأسود إياه أبومنافلة جانبه «فاكره» وإنسان طويل القامة عريض المنكبين وشنباته يقف عليها الصقر واقف ومعلق علي كتفه بندقية لي آنفالد بتاعة زمان.. أنت خدته معاك يا جدي؟!!

< أصل جدي ده كان عمدة فصيح لقريتنا الجميلة.. كانت.. تقع علي ضفاف بحيرة المنزلة وكانت مصيف ريفي ممتع حيث الغيط والبحيرة يعني الخضرة والمية وأحلي سمك .. الحمد لله تحولت القرية إلي خرابة كلها تكاتك (صراصير الأرض).

< المهم تاني.. جدي قالي يا واد اسمعني كويس.. أني عارف إنك اتخلقت لزمن غير زمني وتربيت تربية غير  تربيتي ونشأت في بيئة غير بيئتي.

< زمني كان عبد للتقاليد والأصول والأوضاع وأنت في زمن كسر التقاليد وكل شيء زمني كان شعاره الطاعة الأبويه وكبار العيلة والبلد وأنت في زمن شعاره التمرد والبجاجة والجحود وعدم الوفاء.

< اتعلمت في كتاب القرية البسيط نجلس فيه علي حصيرة ويعلمنا شيخ محترم وجبار بيعذب علي الهايفة وغير الهايفة.. ويعاقب علي الخطأ والصواب كمان .. إيده شغالة علي طول وطايلة بالعصاية الخرزانة كل واحد علي الحصيرة.

< أما أنت تعلمت في روضة الأطفال حيث تشرف عليك آنسة مهذبة مهندمة رقيقة تعلمك القراء والكتابة في إطار من الصور والرسوم والخرائط والأغاني.

< كنت أقضي يومي في الكتاب ونعيش علي الفول النابت والفول المدمس.. أما أنت يا ولدي تعيش في روضتك علي اللبن والبسكوت والكرواسوة..

< لما صبوت يا ولدي تعلمت في المدارس الفرنسية حيث تنقل لك كل أساليب وثقافة المدنية الغربية وكانت مدارس تربي وتعلم فالرهبات مخلصات في عملهم.

< تربيت أنا في وسط كله دين، دين في الكتب ودين في الحياة الاجتماعية ودين في كل أوساطي وخلاني حتي المقرئ مرتين أسبوعيا في المنزل.

< تربيت أنت في مدارس وجامعات الدين لا يذكر فيها إلا في المناسبات، وكان يذكر الدين في وسطنا دائما ليحترم، وكثيراً إذا ما ذكر الدين في وسط كله سياسة واضرابات وأكثر من الاضرابات والليبرالية وكارل ماركس والإخوان وغاندي وسعد زغلول والوفد العظيم والسعديين والنحاس باشا ودستور 1923.

< نشأت في وسط لا يعرف المرأة إلا محجبة ولا يعرف فتاة إلا أن تكون قريبة.. ونشأت أنت في وسط تجالسك الفتاة في النادي والجامعة والأتوبيس والكافيه وبتشرب شيشة كمان وكل الأوساط وقد أخذت من الحرية ما لم أحلم بجزء منها.

< لو عددت لك الفروق بيني وبينك في زمني وزمنك وتعليمي وتعليمك وبيئتي وبيئتك لطال الأمر.

< رغم كل هذا فالفروق مهما كانت فروقاً جزئية ولا يزال بيني وبينك وجوه شبه أعمق من هذه المظاهر والتغيرات بين الناس مهما اختلفت الأزمنة والأمكنة، التغيرات سطحية وأمور عرضية والأيام دوارة في سطحيتها والمفروض التقاليد ثوابت.

< أما الإنسان في جوهره والجمعيات البشرية في نزاعاتها الأصلية فترجع إلي أصول واحدة ومن أجل ذلك كانت تجارب السلف تفيد الخلق.

< والله يا جدي أنتم ببدائية الحياة وعقود الكرامة والثوابت أفضل منا بكثير لأنها كلها عيشة لقمة وهدمة، فالسعادة في الانتماء والأصالة وراحة البال.

< سأقص عليك ولدي شيئاً من تجاربي التي أظن أنها تفيدك مهما اختلفت بيئتنا ومدارسنا وثقافتنا وظروفنا.

< أهم ما جريت في حياتي رأيت قول الحق والتزامه وتحدي العدل وعمله يكسب الإنسان من المزايا التي لا تقدر.

< لقد احتملت يا ولدي في سبيل ذلك بعض الآلام وأغضبت بعض الأنام وضاعت علي من أجله بعض المصالح ولكني رغم ذلك كله استفدت أكثر مما خسرت.

< لقد استفدت منه راحة الضمير واستفدت منه ثقة الناس ما أقول وما أعمل واستفدت من حسن ظنهم بما يصدر عني ولو لم يفهموا.

< مع هذا فقد استفدت منه أيضاً مادياً أكثر مما استفاد غيري ممن لم يلتزموا الحق ولم يراعوا الصدق والعدل.

< لقد وجدت في أوساط كثيرة وعاشرت زملاء كانوا يرضون رؤسائهم أكثر مما يرضون ضمائرهم.

< ويقولون ما يعجب الناس لا ما يعتقدون أنه الصدق ويرتكبون الظلم طلباً للحياة أو العلو في المنصب ومع ذلك فقد ربحوا قليلاً وخسروا كثيراً.

< لقد خسروا التقبيلة وخسروا الضمير وفازوا بقليل من الحظ العاجل تبعه كثير من الفشل الآجل.

< فإذا أردت أن تنتفع بتجربتي فالتزم الحق والعدل والصدق في جميع أعمالك مهما تكون النتيجة.

< نعم رأيت من زملائي من التزموا بهذه الفضيلة ولكن خسروا وفشلوا كثيراً ولكن لم يكن عيبهم أنهم التزموا الحق والعدل والصدق ولكن عيبهم أنهم التزموا هذه الصفات في سماحة فقالوا الحق في غير أدب، والتزموا الصدق في غير لباقة، وتحروا العدل في غير لياقة.

< فلم يكن الذنب ذنب الحق ولكنه ذنب السماحة.

< لا تتعجل فقد تمس من الحق نار وتهب عليك من العدل لفحة جحيم ولكن ذلك يكون أشبه بالامتحان، إن صبرت له انقلبت النار جنة واللفحة الحارة نسيماً عليلاً.

< والله صدقت يا جدي الحبيب، فقد ذهبت وذهب معك الزمن المحترم والناس المحترمين ولم يتبق إلا النفاق والكذب والتجمل وخسرنا العدل فالضلال والظلم ينتشر بين الطرقات وخسرنا التقاليد والعادات والصدق والحب.

< ولكني يا جدي لماذا طليت علي فكري اليوم.. هل أنت حاسس بي فعلاً؟.. هل شعرت بضيق صدري لأنك وأبي ربيتني علي مبادئك في زمنك الجميل وأصبحت أشعر بالغربة.. في أغلب الأوقات وأنا أسبح وسط غابة من البشر تتجمل وتتآمر وتأكل بعضها وترتدي الكرافتات وصراعات من كل نوع والعمل كله، في كل مصر متعطل وكل شيء ماشي عشوائي.. كله بيجري للاستحواذ فقط ولا مكان لممارسة الحق والعدل والصدق.

< سعدت بك يا جدي لحظات ولكني أوعدك سأموت علي تعاليمك حتي لو كلفني الظلم حياتي.

< دردشة جدي لها بقية بإذن الله.. ورمضان كريم.

 

 

المنسق العام لحزب الوفد

رئيس لجنة الثقافة والفنون